Menu
محمد الرساسمة

وداعًا نجوى قاسم

الجمعة - 8 جمادى الأول 1441 - 03 يناير 2020 - 02:47 ص

نشرة الأخبار تَنعى فقيدتها، هي منبر المشاهد العربي، اتفق أبي على احترافيتها، وكنت مراقبًا لكل حركاتها، لا تشبه أحدًا، كانت مدرسة مختلفة عن الجميع، تمضي ساعات برفقتها، تسمع حروفها مرتلة مع كل خبر ، نقلت لنا أخبار المشرق والمغرب، كانت إنسانة قبل أن تكون مذيعة.

عندما تكون طالبًا عن بعد، فلابد أن تتعلم وتنتهز الفرصة عند كل ظهور إعلامي لها، ابتسامتها بين كآبة الأخبار تعطي أملًا بأن غدًا أجمل، وإن ملئت الدماء الشاشة فإن ألوان ملابسها تعكس حاضرًا مشرقًا في جانب آخر.

كانت تشدني تعابير وجهها، مرهقة جدًا، تريد أن تعرف الحقيقة وسرعان ما يعود النشاط لمحياها، غريبةٌ جدًا في تقلُّب لغة الجسد ، تشعر بأن ما قالته في نشرتها هو ماضٍ ولن يعود، وإن عاد فستعود بقراءته بشكل أقوى مبرهنة لكل مشاهد أن الخبر ماضٍ وستعود الحياة بكل ما فيها لا محالة.

إن وجدانها الإعلامي والمهني كان موزعًا على العالم العربي ، تجد ضميرًا حيًا في شاشة العربية، وبالفعل كان لاسمها نصيب ، فهي نجوى والتي حوت كل مرادف من لغتنا العربية من مهجة النفس وصفاء نية القلب، كانت سريرتها بيضاء تشع من ناصع روحها ، ظاهرها كنجواها، سمتها ومظهرها لا يختلفان عن جوهرها، هيئتها ضمير لكل صحفي شريف.

نجوى قاسم جمعت كل مواصفات الصحفي ، كان عرش صاحبة الجلالة يزدان بها، وفي بلاطها انتشلت كل جميل ورفعته إلى تاج مهنتها ، فقدمت لنا أروع مثال للصحفي الذي يحتذى به والذي يجعل كل منتسب لصاحبة الجلالة يحلم أن يكون كما كانت ولو بعد حين.

عاشت في ميادين الحروب، ونقلت الصوت والصورة من وسط الأشلاء، الدماء أحاطت بها من كل حدب وصوب، ولم تهتز أمامنا حفاظًا على مشاهديها، بالرغم من بكائها الطويل على من فقدتهم جراء حوادث التفجير والاغتيالات، بكت أصدقاءها بعيدًا عنا، تترحم عليهم في كل حين ، وحملت راية الصحافة تكريمًا وتعزيزًا لكل قطرة دم نزفت من ورق الصحافة وشاشات الأخبار.

وطنيتها حكاية لم تنته، تحب وطنها بشدة ، وتتألم على ما يجرى ، تردد دائمًا عبارة قلبي معكم، تعطي دروسًا حقيقية في صفحات عشق الوطن، توزع ورد الوطن لكل من عانى من غربته، وتستجدي كل من له يد أن يعيد وطنها إلى قلب شعبها.

رحلت سيدة الشاشة الإخبارية وعلى رأس الساعة ، نودِّعها بالحب والدعاء، وستبقى نبراسًا في عالمنا العربي، ينعاها الشارع العربي بكل دمعة سكبت وانسكبت، وبكل عبارات التأبين رثاءً في وداعك ، ومن يصدق يا نجوى أنكِ في يومٍ ما ستصبحين حدث اليوم.

الكلمات المفتاحية