Menu


الفريق عبد الله بن محمد الوهيبي
الفريق عبد الله بن محمد الوهيبي

التخلف سببه الحكومة أم الثقافة ؟!!

السبت - 19 ذو الحجة 1428 - 29 ديسمبر 2007 - 11:57 م

ما سبب تخلف المجتمعات .. ثقافاتها أم حكوماتها ؟ إن تطور المجتمعات كواجب حضاري ليس قراراً يصدر عن مسؤل , و ليس خطبة عاطفية ، وليس عظة أخلاقية مجردة ، كما أنها ليست فرضا للرأي بالقوة ، ولا ادّعاء صارخا بالتفوق ، إنها الإضافة الحقيقية إلى رصيد الإنسان من المعارف ودوافع الخير ووسائل الإعمار والتفوق , إنها تعني الوعي الاجتماعي الثقافي المتكامل هي اولاً إرادة الناس , فهناك شبه اجماع في الدراسات الاجتماعية والتاريخية على أن الثقافة السائدة في مجتمع ما مسؤولة عن نهوض هذا المجتمع او سقوطه وتدهور احواله. ومن المؤكد أن الشأن الثقافي بمعناه الواسع يؤثر على السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي برغم وجود علاقات عضوية وتبادل أدوار بين هذه المظاهر الاجتماعية فالاحتباس المعرفي لكل امشاج الثقافة ( السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية ) هو اساس الخلل الاجتماعي .. ولا يعني الاحتباس في الكمية والنوعية أو الكيفية بقدر ماهو حاصل غياب انفتاح المجتمع على مزيج المعارف والثقافات الأخرى , فالمجتمع الذي لا يرغب في الانفتاح وينفر من التماس مع الكون الانساني وثقافات وحضارات الغير , لا يستطيع السياسي بجرة قلم أو بقرار قادر أن يغير ما بأنفس الناس من تلكؤ نحو المضي قدما في سبيل التطوير والتغيير .. ذلك أن الوجود الاجتماعي المتميز بالفكر الاقصائي والاصطفائي ينفرد بالثقافة المصمتة التي لا تقبل التغير ولا الاصلاح وتتعالى عن النقد والفحص لمكوناتها ومرجعياتها , تتأبى عن النضج مهما كان تراثها.. قد كان ذات يوم يتمتع بالتنوع وبيئتها تقبل التعدد وتفاضل الخيارات < ومهما كان الاصلاح هو خيار السياسة . إن معيار أي تقدم تجسده الرغبة الاجتماعية في التغيير نحو الأفضل التي يتبناها الفرد دون ضغط من الدولة , فالدولة إن هي إلا كالجوارح للانسان والمجتمع هو القلب والعقل, فإرادة العقل وعاطفة القلب تسبق فعل الجوارح , وتبدأ بتأسيس ما يمكن تسميته بـ ( وعي التخلف ) عند الفرد الاجتماعي المؤدي الى خلق حساسية مرهفة عنده ضد التخلف، وهذه الحساسية المرهفة من الامور المهمة لحشد طاقة الانسان ضد التراجع الاجتماعي ، فالتخلف العام في المجتمع قد يكون عقبة امام تجسيد السياسة لاصولها وقواعدها ولكونها اداة في معالجة التخلف ، كذلك قد يكون التخلف العام عقبة امام الدين يحول بينه وبين تجسيد تلك القيم الخيرة والمفاهيم الراقية التي يبشر بها، ويعتبرها مفاتيح وقواعد التقدم في المجتمع , فالدين ليس تعاليم نظرية مجردة. فثقافة المجتمع هي التي تصنعه وتغيره وبقدر الثقافة التي تقبل وترحب بالحاضر الحديث والمستقبل الاحدث بقدر ما يكون المجتمع لديه القابلية والاستعداد للانتقال من التخلف للتقدم , حتى بدون ارهاصات سياسية , أما إذا كانت ثقافة المجتمع مغرمة بالماضي عن جدارة وافتتان ، وبشكل عام تستحضره دينياً وخطابياً وحتى سلوكياً ، وتستحضره بكل مكوناته ومحتوياته المشهدية والروائية والنقلية والشفهية ، لتقيم فيه وتنغلق عليه وتبني منه حاضرها ، وتتكىء عليه في مستقبلها القريب والبعيد - وليسَ ثمة مشكلة في أن يستحضر المجتمع ماضيه لينهل منه قيمه وأدواته المعرفية وجذوره الفلسفية وتجاربه الإنسانية - بيد أن المشكلة المريعة في أن يبقى الماضي الاجتماعي مهيمناً على الحاضر ، يسلبه إرادة الحركة والتغيير ، ويسلبه منطقية العصر ، ويدفع به في دائرة الانغلاق والتعصب ، ويلقي عليه قيوده وأغلاله وأسوأ ما فيه من تنقصات فكرية وسلوكية . فالمجتمع حين ينتظم عبر مؤسساته المدنية لا يعبّر فقط عن صدق ولائه لوطنه ودولته وصدق التعلق بهما والانخراط الفعلي والمشاركة الجادة في التنمية والمساهمة في الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي والتطور الحضاري , بل يكون مدافعاً قوياً ضد قوى التخلف وناشطاً ضد الإخلال بالنظم والقوانين التي تتعهد حياته اليومية .. وهذا لا يتأتى الا بتباشير ثقافة غير مصمتة , ثقافة حاضنة للتنوير لا طاردة له .. صحيح أن مأسسة المجتمع وتمدينه قد لا تتكون الا تحت انظار السياسي وإرادته , لكن بداية هذا التكوين تنبعث من العقل الاجتماعي إذا باشر تغييرآلياته الفكرية ، فكيف تكون الثقافة يكون المجتمع , وكيف يكون المجتمع تكون دولته وحكومته , إذ الحكومات ماهي الا نخبة من افراد المجتمع تتولى مسؤولية إدارته رسمياً .. أما التراكم الثقافي والخبرات المعرفية فتعزى للصياغة الاجتماعية بشكلها النهائي ، فالمجتمع العربي القديم لم ينتقل من حكم القبيلة إلى حكم الدولة الإ بعد أن تغيرت ثقافته من الجاهلية إلى الإسلام .. فبعد أن تشربت عقول المجتمع العربي القديم ثقافة الاسلام أمكن تأسيس دولة تحمي هذا المجتمع وتذود عن ديانته . فبقدر إصرار أي مجتمع على مناطحة التغيرات والتحولات التي تمر به , سيمكث في أتون التخلف وسينكفئ قابعاً في هامش الحياة , ويجر من حوله معه لهذا الانكفاء والهامشية , أما سعيه لتحديث ثقافته فسيعقبها تحديث سياسته ودولته .

الكلمات المفتاحية