Menu
د. عبدالله القفاري

الضغوط الاقتصادية على لاعب كرة القدم وشبح الإفلاس!

الأحد - 24 رمضان 1441 - 17 مايو 2020 - 09:05 م

إذا ذُكرت كرة القدم ذُكرت عقود الملايين والمليارات من الدولارات، وتذكَّرت أيضًا قصص النجاح والإفلاس المخيف؛ حيث أصبح المال عنصرًا أساسيًّا في حياة اللاعبين وفي عملية اختيارهم أو رعايتهم.

وأصبحت حياة اللاعبين وقيمة عقودهم لأي نادٍ آخر أو شركة استثمارية، تُحدد بقيمة وضخامة عقده الذي حصل عليه حاليًّا.

لهذا أصبح الوضع الاقتصادي للاعبين هو المحرك الأساسي في حياتهم من البداية حتى النهاية؛ ما جعل هذا العامل عنصرًا أساسيًّا يشكل عالم الرعب في حياتهم قبل اللعب وبعد اللعب وقبل الشهرة وبعدها وقبل الاعتزال وبعد الاعتزال.

لقد أصبح اللاعب سلعة عالية الثمن، وربما أصبح عقد لاعب كرة القدم أغلى عقد فردي لإنسان في التاريخ.

حتمية التخطيط

هذه العوامل كلها جعلت الاهتمام والتخطيط الاقتصادي للاعب مبكرًا، أمرًا حتميًّا لا مفر منه، وإلا سيكون عنصر المال جحيمًا لا يطاق على اللاعب؛ لأن حياته لا تقوم بدون المال.

فاللاعب في وقت الملاعب يستقبل مبالغ مالية طائلة وأموالًا وهدايا تتدفق سرعان ما يصرفها حيث شاء على نفسه وعلى من حوله دون التفكير في المستقبل الذي ينتظره.

أسباب أهمية التخطيط

وهناك أسباب كثيرة تؤكد أهمية التخطيط الاستثماري المبكر وبناء الأصول للاعبين في وقت التدفقات النقدية لحمايتها من الصرف الكلي والاستهلاك الشره من اللاعب نفسه أو ممن حوله من أفراد أسرته أو أصدقائه، وهي:

1- أن التدفقات المالية لفترة قصيرة لا تستمر في حياة اللاعبين إلى ما لا نهاية.

2- أن العقود العالية للاعبين غالبًا تكون في ذروة شهرة اللاعب ثم تنهار فجأة.

3- أن التخطيط المبكر يساعد كثيرًا على التسريع في بناء الأصول الاستثمارية ويساعد على بناء عائد أكبر.

4- أن التخطيط يساعد في وضوح الرؤية للاعب وفهم مصطلحات الاستثمار ويرفع مستوى القناعة في الادخار مبكرًا.

5- التخطيط المبكر يساعد على حماية اللاعب من الانهيار والدخول في عالم الإفلاس والديون.

6- التخطيط أيضًا يساعد على استمرار التدفقات المالية حتى بعد الاعتزال.

7- كما أن التخطيط الاستراتيجي يساعد اللاعب في الوعي بأهمية الادخار والاستثمار وإدارة الميزانية بحكمة ووعي وتوازن بين الواردات والمصروفات.

8- وجود فريق مميز وأمين للتخطيط مع اللاعب يساعد في حمايته من استغلاله ونفاد ثروته مبكرًا.

التشجيع على التخطيط

هذه العوامل تؤكد أهمية التخطيط للاعب، وذلك يكون بتوجيه وتشجيع كل من:

1- إدارة النادي: فينبغي أن يكون لها دور في حث اللاعبين وتوعيتهم بالتخطيط المالي مبكرًا.

2- توجيه الوالدين والأسرة في حق اللاعبين مهم جدًّا أيضًا.

3- دور المؤسسات الحكومية كمؤسسة الرياضة والشباب ورابطة الأندية واللاعبين القدامى وغيرها.

4- دور الإعلام والمؤسسة والمراكز الاقتصادية مهم في التوعية العامة.

5- أيضًا للاعبون المعتزلون لهم دور مهم في توعية الجيل الجديد من اللاعبين في أهمية التخطيط المالي مبكرًا.

ضغوط كورونا

وهناك نماذج كثيرة من الضغوط التي قد يواجهها اللاعبون وقت الأزمات بسبب الرواتب العالية التي يتميزون بها عن غيرهم؛ ففي تقرير نشرته صحيفة «صنداي تايمز» انتقد اللاعب واين روني القائد السابق لمنتخب إنجلترا الأول لكرة القدم وقائد نادي مانشستر البريطاني؛ الضغوط التي يتعرض لها اللاعبون في بلاده من أجل خفض رواتبهم في ظل أزمة «كورونا».

حتى أقدمت بعض الأندية ومنها ليفربول وتوتنهام هوتسبير على الاستغناء عن بعض العاملين في ظل استمرار الأزمة. وقالت رابطة البطولة الإنجليزية إنها تُجري محادثات مع اللاعبين بهدف خفض الرواتب بنسبة 30%.

كما أعلنت عدة دول عن وقف النشاط الرياضي، ومن ذلك أعلنت وزارة الرياضة السعودية تعليق كافة الأنشطة الرياضية في منتصف مارس الماضي للحد من انتشار فيروس كورونا.

الأندية السعودية

وقد كانت أندية دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين اتفقت على خفض 50% من رواتب اللاعبين المحترفين.

وقد أشارت تقارير محلية إلى إجمالي المبالغ التي وفرتها أربعة أندية سعودية، والتي بلغت 28 مليون ريال سعودي بعد قرار تخفيض رواتب اللاعبين، وهي: الأهلي والهلال والنصر والاتحاد، عقب قرار تخفيض الرواتب؛ وذلك للحد من المتاعب الاقتصادية التي يتسبب بها انتشار فيروس كورونا المستجد.

وهناك تساؤل كبير: لماذا يؤثر العنصر المالي كثيرًا على لاعب كرة القدم؟

والجواب: أن حياة اللاعب أساسًا تقوم على الضغوط المالية بسبب الصرف ومستوى الحياة والرفاهية التي يعيشها هو وأسرته في فترة نجوميته، وهذا عامل ضغط كبير قد يكون سببًا في تدمير حياته إذا لم يكن هناك تخطيط استراتيجي مبكر في هذا المجال.

وهناك نماذج كثيرة في تاريخ أصحاب هذه اللعبة قد يكونون درسًا لكل لاعب لم يخطط لمستقبله المالي مبكرًا ومن ذلك:

النموذج الأول

رونالدينيو (38 عامًا) من أبرز نجوم اللعبة عبر التاريخ، وتوج بجائزة أفضل لاعب في العالم مرتين، وسبق أن توج بكأس العالم مع منتخب البرازيل، والعديد من الإنجازات مع الأندية أبرزها دوري أبطال أوروبا مع برشلونة. واليوم كشفت الحكومة البرازيلية عن وجود 7 دولارات فقط فى حسابه البنكي، ومن ثم لن يصبح قادرًا على سداد المستحقات المالية عليه؛ ما دفع إحدى المحاكم البرازيلية إلى إصدار قرار صارم بمنعه من السفر بسبب أزمات مالية يعاني منها كأفضل لاعب فى العالم سابقًا.

النموذج الثاني

اللاعب الإنجليزي «ديفيد جيمس» لاعب كرة القدم الشهير أعلن إفلاسه عام 2014، ولعب لأندية واتفورد وليفربول وأستون فيلا ووست هام يونايتد ومانشستر سيتي وبورتسموث في إنجلترا، واضطر إلى بيع جميع مقتنياته وتذكاراته الرياضية لتسديد ديونه.

النموذج الثالث

بيورن بورج لاعب تنس سويدي، وكان المصنف الأول على العالم في السبعينيات، في رصيده 11 بطولة جراند سلام، اعتزل اللعبة وهو في الـ26 من عمره، وجمع الملايين ومنذ ذلك الوقت طلق مرتين، وعانى من إدمان المخدرات، وفشل عدد من مشاريعه التجارية، وهو ما تسبب له بخسائر فادحة ألزمته فقد كل ثروته وتحمل الديون والإفلاس.

النموذج الرابع

إيفاندر هوليفيد أسطورة الملاكمة؛ فالجميع يتذكر العضة الشهيرة التي حصل عليها من مايك تايسون، جمع الكثير من الأموال خلال مسيرته وصلت إلى 560 مليون دولار، ولكن وصل به الحال إلى عدم القدرة على دفع فاتورة الكهرباء في قصره الذي تبلغ مساحته 5400 قدم مربع مع 109 غرف و17 حمامًا وثلاثة مطابخ وصالة بولينج، ليغادر هذا المنزل، وأجبر على بيعه في مزاد.

النموذج الخامس

الأسطورة مارادونا صاحب أغلى صفقة في تاريخ كرة القدم مرتين في عصره، دخل في مشاكل مع الضرائب في نابولي بين عامي 1984 و1991؛ حيث تهرب من دفع ما يقارب 50 مليون دولار لهيئة الضرائب هناك.

النموذج السادس

بوريس بيكر لاعب التنس الألماني الشهير، تراكمت الديون عليه منذ أكتوبر 2015، وأعلنت محكمة في لندن في يونيو 2017 إفلاسه بسبب عجزه عن سداد ديونه التي وصلت إلى 6 ملايين يورو.

النموذج السابع

أنطوان ووكر، عاش أنطوان حياة مميزة خلال فترة لعبه في دوري كرة السلة، بعد الاعتزال دخل في مشاكل عائلية، أدت إلى وقوعه في أزمات مالية كبيرة بعد أن أنفق كل الأموال التي حصل عليها خلال مسيرته، وتركته خطيبته بعد ذلك.

النموذج الثامن

هاكان شوكور أسطورة كرة القدم التركية بلا منازع، وواحد من أحسن الهدافين في أوروبا؛ فقد قاد منتخب بلاده إلى نصف نهائي كأس العالم 2002 بكوريا الجنوبية، وحصل معه على المركز الثالث.

سجل شوكور 51 هدفًا في 112 مباراة لعبها مع المنتخب التركي بين 1992 و2007. ولعب أغلب مشواره في فريق جلطه سراي، ولعب في أوروبا لفريقي إنتر ميلان، وبارما الايطاليين، وبلاكبيرن الإنجليزي.

اعتزل شوكور اللعب في 2008، لكن النجومية والشهرة التي اكتسبها في عالم كرة القدم لم تؤمن له الحياة التي كان يأملها بعد التقاعد؛ إذ اضطر إلى العمل سائق سيارة أجرة ليعيل نفسه وعائلته بعيدًا عن الملايين التي اكتسبها ولم يخطط للمحافظة عليها.

النموذج التاسع

خالد مسعد، أحد أشهر اللاعبين الذين مثلوا منتخب المملكة (جميع الفئات السنية) وأسهم في تحقيق إنجازات عدة، منها المشاركة في كأس العالم 1994 بأمريكا، وبلوغ دور الـ16 للمنتخب بجانب الوصول إلى نهائيات كأس العالم 1998م في فرنسا، كما حصل على جائزة أفضل لاعب عربي 1992م، ويعد من أبرز لاعبي خط الوسط في تاريخ الكرة السعودية وبعد الاعتزال واجه خسائر فادحة أفقدته ثروته الكبيرة التي جمعها خلال مشواره الرياضي.

النموذج العاشر

اللاعب السعودي الدولي وأحد المشاركين في أخضر كأس العالم 1998 و2002 في الجيل الذهبي للكرة السعودية، راح ضحية كفالته لأحد الأصدقاء في أقساط شهرية لم يلتزم بها الصديق، فحكمت المحكمة عليه بدفع هذه الأقساط التي لم يكن قادرًا على دفعها.

وهذه النماذج تجعلنا نتساءل: هل هناك تلازم بين الاعتزال والإفلاس؟ وهل هناك مؤشرات تعطي دلالة على ذلك؟

وهذا يعطي أهمية لإجراء مزيد من البحوث في ذلك، خاصةً في ظل ما أشارت إليه مؤسسة شبرو الخيرية من أن ثلاثة من كل خمسة من لاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم يعلنون الإفلاس في غضون 5 سنوات من الاعتزال؛ وهذا بسبب قلة الخبرة بإدارة المال وعدم الوعي بأهمية بناء قواعد الحرية المالية في وقت التدفق النقدي.

شبح الإفلاس

كريس دادلي، وهو لاعب كرة سلة أمريكي محترف سابق يعمل الآن مستشارًا ماليًّا للرياضيين يقول: "أثناء احترافي على مدى 16 عامًا، رأيت زملاء كانوا حديثي الاعتزال فقدوا كل شيء».

ومع العلم بأن متوسط ما يجنيه لاعب كرة القدم في الدوري الإنجليزي الممتاز مثلًا أكثر من 3.3 مليون دولار سنويًّا. والغريب أن لاعب كرة القدم مع هذه الثروة الطائلة، يطارده شبح الإفلاس بعد اعتزاله مبكرًا.

الخطأ قد يكلف ثروة

لهذا أصبح أكثر هؤلاء المشاهير لا يعيشون بقية حياتهم في مجتمع الأثرياء، بل يتنقلون بين وظائف بالكاد تغطي مصاريف حياتهم الأساسية بعدما كانت دخولهم بالملايين وقت شهرتهم.

وهذا كله بسبب ارتكاب أخطاء مختلفة ومتعددة كلفتهم خسارة ثرواتهم، فيغيبون عن عالم الشهرة وهم في أقسى حالات الفقر، بعدما ذاقوا أسعد لحظات النعيم وتمتعوا بثروات طائلة أنفقوها على ملذاتهم دون وعي.

قانون الثروة الذهبي

وأخيرًا فإن امتلاك المال الكثير، لا يعني أنه لن ينفد؛ لأن إدارة المال الكثير أصعب من كسبه، وخاصة مع بعض النجوم والمشاهير؛ لأن أغلبهم لا يعرف قواعد إدارة المال وقواعد الادخار وبناء الثروة، وربما كثير منهم لم يحصل على التعليم الجامعي، ولا يستعين بـ"كوتش" أو مستشار مالي وفريق عمل ناجح وأمين ومتمكن يساعده في التخطيط لإدارة الثروة قبل نفادها.

الكلمات المفتاحية