alexametrics
Menu
د. عبدالله القفاري
د. عبدالله القفاري

ماذا تعرف عن عمدة لندن القادم ؟

الأربعاء - 4 شعبان 1437 - 11 مايو 2016 - 09:38 م

صادق خان رجل عصامي مسلم ، ابن رجل باكستاني مهاجر وفقير، كان أبوه يعمل سائق حافلة (باص)، والان هذا العصامي يهزم الرجل الثري ابن الحسب والنسب من ابوين يهوديين، صاحب الأرض والوطن، ليشغل منصب عمدة مدينة لندن أهم عاصمة غربية في أوربا..!

انتخب صديق خان كأول مسلم يتولى منصب عمدة العاصمة البريطانية لندن، وذلك في الانتخابات المحلية التي جرت الخميس الماضي.

كان صديق خان، الذي يبلغ من العمر 45 عاما، واحدا من بين ثمانية أبناء لمهاجر باكستاني وزوجته، حيث كان يعمل أبوه سائق حافلة وتعمل أمه خيَّاطة، وكانوا يقطنون مسكنا وفرته لهم الخدمات الاجتماعية، وعاش مع والديه وإخوته في مسكن ضيق يحوي 3 غرف للنوم، في مجمع "هنري برنس" السكني في ضاحية إيرلسفيلد جنوب غربي لندن، وشارك صديق أحد إخوته الذكور في سرير من طابقين، إلى أن غادر المنزل في العشرينيات من العمر، ولو كان في أحد دول العالم الثالث لكان في أحد مراكز الترحيل.

وتربى خان على القيم الإسلامية، ولم يتنصل يوما من الإعلان عن أهمية عقيدته، وفي أول خطاب له كعضو بالبرلمان تحدث عن كيف أن أباه علمه تعاليم النبي محمد، و أن الشخص الذي يجد شيئا خطأ عليه "أن يعمل على تغييره"، وافتخر في خطاب الترشح لعمدة لندن أنه مسلم بريطاني.

تزوج صديق"سعدية أحمد"، وكانت بالمصادفة ابنة لسائق حافلة، وأنجبا ابنتيهما أنيسة وأماره..درس خان القانون في جامعة نورث لندن وتخرج منها، و مضى محاميا متدربا في قضايا حقوق الإنسان عند أحد مكاتب المحاماة، حتى أصبح له مكتبه الخاص، ودافع عن كثير من المسلمين المتهمين بالإرهاب في المحاكم البريطانية.

وفي عام 2009 تولى خان منصب وزير النقل والمواصلات، وأصبح أول مسلم ينضم لمجلس الوزراء في تاريخ بريطانيا وتميز خان بقوة خطابه وطلاقة لسانه، وجذبه للانتباه حينما يتحدث.

وكان أشد منافسيه غولد سميث اليهودي الديانة من الحزب الحاكم، وقد حاول هذا المنافس خلال حملته الانتخابية مهاجمة خان، واتهامه بأنه دائما ما "أعطى منصة أكسجين وغطاء للمتطرفين السنة". كما هاجم رئيسُ الوزراء البريطاني صدِّيق بنفس التهمة وبأسلوب غير مباشر، واتهمه بأنه زار أماكن يتواجد فيها متشددون، كما استماتت بعض الصحف والمواقع البريطانية في حملة ممنهجة لتخويف الناخبين منه.

وحاول بعض المتحالفين معهم عبر حسابات مجهولة في تويتر ترويج أنه شيعي، ومن ذلك حساب غير رسمي للشيعي الكويتي عبدالحميد دشتي، كل هذا بهدف زعزعة المراكز الإسلامية السنية والناخبين المسلمين السنة في بريطانيا و دفعهم لعدم انتخابه.

ومع الأسف، فإن بعض مواقع التواصل الاجتماعي في بلادنا صدقت هذه اللعبة، ونقلها البعض على أنها مسلمات وشارك في الغيبة والمكيدة إما لجهل منه أو حرص غير مبرر، و دخل على الخط آخرون يحملون نفس الأجندة الاعلامية الدشتية التي تهدف لمحاربة كل مافيه روح إسلام سياسي سني.

ومع هذه الزوبعة إلا أن هناك عددا كبيرا من الناخبين البريطانيين والإعلاميين المحايدين لم يتأثروا بهذه الافتراءات، ومن بينهم ﻛﻴﻔﻦ ﻣﺎﻏﻮاﻳﺮ ﻧﺎﺋﺐ رﺋﻴﺲ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺻﺤﻴﻔـــﺔ دﻳﻠﻲ الذي أعرب عن أمله بأن يكون فوز خان انتصارا للتسامج وهزيمة للإسلاموفوبيا في بريطانيا، كما يظهر أن البريطانيين مستعدون للتصويت لصالح المرشحين المسلمين على أساس برنامجهم السياسي، بعيدا عن انتمائهم الديني كما أنهم صوتوا ضد من شنوا حملة قذرة ضد خان بسبب عقيدته.

وفي نفس السياق وصف الكاتب والصحفي فراس أبو هلال فوز خان بأنه لحظة تاريخية للمسلمين في أوروبا، واللندنيين بشكل خاص الذين أثبتوا أنهم لن ينخدعوا للأصوات التي حاولت عزل خان لكونه مرشح مسلم، وبسبب عمله السابق في الدفاع عن معتقلين إسلاميين من النشطاء السنة الذين اتهموا بالإرهاب.

#الحقيقة...

خلال هذه الزوبعة تواصلت مع مجموعة من الأشخاص البارزين في بريطانيا و الذين لي علاقة جيدة بهم، وكان منهم عدد من المحامين المسلمين المتدينين، وعدد من الاعلاميين وطبيب أسنان، وكذلك ٣ دعاة في مراكز إسلامية سلفية، وبعض الأخوة من الجالية المسلمة، وكذا ما اشار اليه أخي د. حمد الماجد -صاحب ١٤ سنة خبرة في العمل الإسلامي في أكبر مراكز ومساجد لندن، ولا يزال له نشاطه هناك- جميعهم أكدوا بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل سني، وأنه كان يصلي في مسجد توتينغ Tooting Mosque في حي توتينغ الشعبي في جنوب لندن.

ومن بين التهم التي أُلصِقت بصديق خان من بعض الجهات البريطانية أنه صديق لإمام المسجد الذي كان يصلي فيه، والذي حسب رأيهم يحمل أفكارا متشددة، وأما ما انتشر على أنه شيعي فلا يعدو أن يكون حربا سياسية لإضعاف جانبه أمام منافسيه و صرف أصوات الناخبين المسلمين السنة لكثرتهم في لندن عن انتخابه.

وكل من تواصلت معه من البريطانيين أجمعوا على أنه أفضل خيار لكل الجاليات والأقليات في بريطانيا، بما فيها المسلمة، وكذلك هو أفضل خيار بين المتنافسين لدعم المسلمين في لندن وتسهيل نشاطاتهم وتقديم صورة أمام العالم أن المسلم يعمل في أي مكان لخدمة وطنه. وأما ما يصوره الإعلام أنه له صلة بمتشددين لا يعدو كونه أجندة معدة لحرب الإسلام السياسي، و لقد عرف عن صديق خان في كل مراحل حياته السياسية أنه كان دائما يساند قضايا الجالية المسلمة، نشيطا في مناصرتها، و قد وقف مع كثير من المساجد السنية، وهو عضو رسمي في المجلس البريطاني الإسلامي الذي هو حلقة وصل بين الحكومة البريطانية والجالية المسلمة.

# لدي بعض الوقفات مع هذا الأمر:

1.لم أستغرب هذه الحملة الشرسة التي بثت على أيدي مواقع أكثرها سعودية لعلمهم بحساسية ملف المذهب السني الشيعي لدينا، و أن هذه التهمة أسرع طريق لتحريك عواطف السنة، وهي أنجع وسيلة للانتشار عبر الترند العالمي.

2. و بالنظر إلى ما كُتِب من أن صديق خان له مواقف مؤيدة لحرب صدام، أو التصويت لصالح زواج الشاذين جنسيا، فهذا ليس له دخل في مقياس الناخب المسلم، لأن الناخب ينظر للمصالح العامة للجالية المسلمة دون النظر للشطحات السياسية أو الأخلاقية، والتي تنطلق أحيانا من منطق المجاملة البرغماتية التي يراعي فيها المرشح توجهات حزبه. أما بالنسبة لحرب الخليج فقد أيدها كثيرون بما فيهم قادة وعلماء من الخليج، فضلا عن أن صديق خان كان في هذا الشأن موافقا لتوجهات حزبه...

في ظل كل هذه المعطيات يجب أن نفهم أن الناخب المسلم في لندن يرى أن صديق خان هو الخيار الأنسب للمسلمين، و إن لم يكن هو الخيار الأمثل عند البعض.. وفي الجانب الآخر فإن المنافس الأبرز له كان هو المرشح اليهودي "زاك قولد سميث" والذي يرى التضييق على الجاليات والأقليات و له موقف سيّء في موضوع الهجرة وغيرها، و كلها ملفات عواقبها السيئة من شأنها أن تعود بالضرر على المسلمين في بريطانيا وخارجها فكان لزاماً أن يكون صديق خان هو الخيار الأنسب في هذا الوقت بالذات.

وهذا ربما أشبه ما يكون باختيار الرسول عليه السلام للنجاشي في الحبشة، ففي السنة الخامسة للدعوة أرشدٓ الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بترك مكة والهجرة إلى الحبشة لأن فيها "ملكاً لا يُظلم عنده أحد، عادل في حكمه، كريم في خلقه"، وهناك يستطيعون العيش في سلام آمنين على أنفسهم وعلى دينهم، دون النظر إلى دين مَلِك الحبشة و شركه آنذاك، لأنه كان الخيار الأنسب لهم، وهذا يتناسب مع قوانين السياسة الشرعية التي تكلم عنها كثيرا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

٣. لقد اختار المسلمون في لندن صديق خان كعمدة لمدينتهم لأنه الأنسب لهم من بين المرشحين، والأقرب إلى تحقيق مصالحهم المحددة دون النظر لأي أمر آخر سواء تعلق الأمر بشخصيته أو ما بينه و بين ربه.

إننا إذا نظرنا في التاريخ الإسلامي نجد أن بعض الخلفاء، و هُم مٓن هم، وفي بلاد تحكم الشريعة، لم يسلٓموا من الوقوع في اللهو الحرام ومعاقرة الخمر، ومع ذلك توحد المسلمون تحت رايتهم، و فتحوا الأمصار، وبنوا الدار والعمار، وهذا لا يقلل من سوء ماعملوا، ولكن كانوا هم الخيار الموجود الذي يصعب الحياد عنه في مفهوم السياسة الشرعية.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد ذكرتني هذه الحملة ببدايات دخول الحزب الإسلامي الانتخابات في تركيا قبل سنوات مضت، حينما هاجمه العلمانيون الأتراك، واتهموا قياداته أنهم يستغلون الدين للفوز بالانتخابات واغتر بهم بعضا من في بلادنا..!

وها نحن نرى بعد هذه السنوات كيف عادت تركيا إلى حاضرة البلاد الإسلامية، و عادت مظاهر الدين في حياتهم، و تغيرت كثير من القوانين لصالح الشعب التركي المسلم. و يجدر هنا أن نذكر ما يشير إليه د. عبدالله النفيسي أن كثيرا من القيادات السنية لا يزال لديهم قصور في فهم واقع العمل السياسي، وأن لدينا عاطفة جياشة غالبا ما تسبق التحليل العميق للواقع والمصالح المشتركة.

4. أستغرب ممن يكتب عن هذا المرشح وهو لا يعرفه و لا يعرف تاريخه، إنما شاهد تغريدة من معادٍ له ثم قام بنشرها والاستماتة في الدفاع عنها، وكأنها دين يسأل عنه يوم القيامة، بل إن بعضهم يتكلم و كأنه وكيل على المسلمين في العالم، ويحذر وينذر دون أي تثبت أو نظر إلى مآلات الأمور التي يبثها بين الناس، يتصرف و كأنه أعلم من المسلمين البريطانيين بمن هو صديق خان، وأنه أعلم بما هو خير لهم. وفي المقابل لو سألته ماهو البديل..؟ لقال لك: هذا لايعنيني، المهم أن أحذر منه..!! طيب، إذا كان لا يعنيك فلماذا تحذر منه..!! والأعجب من ذلك أنه بكلامه هذا هو يدعم المرشح المنافس الذي لا يشك أحد في ديانته اليهودية التي يفتخر بها، وهو لاشك سيضيق على برامج المسلمين حال فوزه وعلى المهاجرين والمستضعفين.

من أجمل المواقف لصديق خان والتي نشرتها جريدة ديلي ميل عندما طلب منه القصر الرياسي القسم على الانجيل اعتذر وقال انا مسلم ولا اقسم الا على القران فاخبروه انه لايوجد في القصر قران فاحضر مصحفا معه واقسم عليه وعندما هم بالمغادرة ناولوه المصحف واعادوه اليه ولكن كانت نظرته بعيده وطموحه عالي فقال دعوه في القصر للمسلم الذي سوف ياتي بعدي.

5. وأخيرا: للأسف لدينا ثقافة الأنا وحب التعالم وإصدارالأحكام دون بينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا" و أنا لست ضد المشاركة والتحليل للوقائع السياسيه، ولكني ضد التمييز والتهييج وإلقاء التهم بدون دليل.
وما أجمل أن ندع أمر لندن لأهل لندن من المسلمين وان لاننقل مشاكلنا ومعاركنا للمسلمين هناك فهم أعلم بأمور دينهم ودنياهم كما قال عليه السلام انتم اعلم بامور دنياكم.

الكلمات المفتاحية