Menu
د. عبدالله القفاري

الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي (1/5)

الثلاثاء - 22 ربيع الأول 1441 - 19 نوفمبر 2019 - 09:51 م

الضغوط الحياتية التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم وتأثيرها على أدائهم

في السنوات الأخيرة أصبحت الرياضة هي أحد أهم أعمدة العمل الاجتماعي والتطوعي وأصبح المجتمع يطالب اللاعبين والمشاهير من الرياضيين والنوادي الرياضية ومنظمات الرياضة والشباب أن يكون لهم دور فاعل خارج أسوار الملاعب من خلال الأعمال الاجتماعية والتطوعية داخل المجتمع، إلى جانب أن الرياضيين يواجهون جملة كبيرة من الضغوط في حياتهم مما يؤثر سلبًا على أدائهم الرياضي وعلى تصرفاتهم والمزاج العام لهم بل وحتى على علاقاتهم ككل، خاصة أن اللاعب أكثر الناس تأثرًا بالغرائز السبع التي ذكرها عالم الأعصاب جاك بانسكيب، حيث قال إنّه من بين الغرائز الأساسية السبع في الدماغ البشري "الغضب، والخوف والذعر، والحزن، والأمومة، والمتعة/الشهوة، واللعب، والسعي/البحث" تبدو غريزة السعي هي الأكثر أهمية للاعبين من أجل الفوز والانتصار داخل الملعب، لهذا السبب وذاك، أصبح للأخصائي الاجتماعي دور مهم جدًّا للعمل داخل المجال الرياضي، وأصبح المجال الرياضي أحد أهم المجالات الحديثة في الخدمة الاجتماعية، وفي هذا الجانب سيكون للكاتب حديث عن هذا المجال في خمس مقالات تتحدث عن خمس جوانب وهي:

الجانب الأول: الضغوط الحياتية على الرياضيين.

الجانب الثاني: الحاجة إلى الأخصائي الاجتماعي في المجال الرياضي.

الجانب الثالث: أهداف الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي.

الجانب الرابع: الحاجات الأساسية للرياضيين.

الجانب الخامس: أهم مبادئ الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي.

الضغوط الحياتية التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم وتأثيرها على أدائهم:

مع الضغوط الكبيرة التي تقع على الرياضيين وخاصة لاعب كرة القدم لتحقيق التفوق والنجاح، سواء من النادي أو المدرب أو الجماهير أو الأسرة أو حتى المستثمرين في النادي، بالإضافة إلى الجهد البدني الكبير والنظام الحياتي والغذائي المطالب فيه لتحقيق النتائج الرياضية المميزة... الخ.

هذا كله جعل اللاعبين تحت ضغط رهيب ربما يفقدهم التوازن في أدوار الحياة أو ما يسمى في علم الكوتشنق بعجلة الحياة المتنوعة.

هذه الضغوط اللامحدودة تتطلب نوعًا خاصًّا من الرعاية الاجتماعية والنفسية المبكرة من أجل الحفاظ على سلامة اللاعب والحفاظ على قدراته الرياضية بأكبر قدر ممكن إلى جانب الحفاظ على سلامته النفسية والجسدية من الإصابات أو المنشطات التي قد تعيق حياته الرياضية في المستقبل وأي تغاضي عنها أو إهمالها أو عدم معالجتها مبكرًا سيكون له تداعيات خطيرة في حياة اللاعب وعلى الفريق ككل وعلى من حوله.

ومع تطور اهتمام الدول والفرق بسلامة اللاعبين في السنوات الأخيرة والتي يعدونهم ثروة وطنية يجب المحافظة عليها ظهر ما يسمى بالخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي من أجل تلبية احتياجات الرياضيين ورفاهيتهم ومساعدتهم على التخطيط والنجاح خلال مسيرتهم الرياضية وتحفيزهم للتفوق والنجاح حتى في مرحلة ما بعد الاعتزال من الرياضة.

الأخصائي الاجتماعي الرياضي صاحب مهنة محترفة تقوم على مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات على استثمار قدراتهم وتحفيزهم في تحسين أدائهم من عدة جوانب، إلى جانب المساعدة في حل المشكلات والصعوبات التي تواجههم والوقاية منها، لهذا يسعى الاخصائي الاجتماعي الرياضي إلى مساعدة الرياضيين، من خلال توفير التوجيه والتحفيز والدعم وربطهم بالتخصصات التي يحتاجون إليها من أجل ضمان رفاهيتهم العامة وضمان استمرار عطائهم الرياضي والحفاظ على سلامتهم واستقرارهم الاجتماعي والنفسي.

كل هذا جعل للخدمة الاجتماعية دورًا مهم في المجال الرياضي، والتي تمكن الأخصائي الاجتماعي أن يقدم مجموعة من الخدمات الاجتماعية والتوجيهية والتحفيزية التي يكون لها دور فعال في مساعدة الرياضيين على فهم أنفسهم و فهم المشكلات التي تحيط بهم وتزويدهم بالمهارات التي يحتاجون إليها، من أجل استغلال ما لديهم من إمكانات ومهارات وقدرات، وكذلك الوقوف معهم من أجل تحديد أهدافهم على ضوء إمكاناتهم الشخصية والاجتماعية والمادية واختيار أنسب الطرق لتحقيقها في ظل الضغوط التي تحيط بهم من عدة أطراف، خاصة أن شعور اللاعب بالفشل في تحقيق أهدافه قد يعرضه إلى ما يسمى بعملية "الاحتراق" والتي تدفع اللاعب إلى العزلة الاجتماعية والمشكلات النفسية والتغيب عن بعض التمارين وانخفاض الأداء الرياضي، وربما الإقبال بشغف على بعض السلوك السلبي، كالتدخين وتناول بعض المنشطات والممنوعات لهذا تأتي الحاجة الملحة إلى وجود الأخصائي الاجتماعي في النوادي الرياضية إلى جانب اللاعبين والجهاز الفني والإداريين لمساعدتهم على التخلص من هذه الحالة مبكرًا حتى لا يفقدون قدرتهم على المنافسة الرياضية والاستمرار بالمشاركة الفعالة كلّ في مجاله.

كما أن الأخصائي له دور مهم في كل مراحل حياة اللاعبين، سواء كان ذلك خلال طفولته وتهئيته للعب في بداية مشواره الرياضي وحمايته من الاعتداء أو الابتزاز وعلى سبيل المثال:

عاشت أمريكا صدمة على وقع فضيحة جنسية هزت الرأي العام بعدما كشف تقرير رسمي أن المدرب في كرة القدم «جيري سانداسكي» يستغل عشرات الأطفال جنسيًّا وأدانته هيئة قضائية بأكثر من ثلاثين تهمة. كما واجه المدرّب برتران شاريه دعاوى من تسع لاعبات تزلّج، وأوقف في مارس من عام 2015، ثم أدين في يونيو الماضي في 37 تهمة تصل عقوبتها إلى السجن 14 عامًا.

لهذا أصبح للاخصائي الاجتماعي دور مهم في مساعدة الرياضيين وحمايتهم من الاستغلال في قراراتهم وحتى في مراحل متقدمة من شهرتهم الرياضية وإلى مابعد الاعتزال ومواجهة حياة مابعد الرياضة والانتقال ربما إلى جو اجتماعي مختلف وإلى مهنة أو وظيفة مختلفة تماما عن ممارسة الرياضة والجوانب المحيطة بها سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المعيشية أو النفسية المختلفة وقد شاهد العالم عشرات من اللاعبين الكبار يتعرضون للإنتكاسات خلال شهرتهم بسبب الاصابات المتكررة أو المنشطات والمخدرات كما أن عدد كبيرا منهم أصبح عالة على المجتمع لا يجد قيمة فاتورة العلاج بينما كان يملك الثروات الطائلة والبعض منهم اضطر للعمل في مهن بسيطه أو عمال في مؤسسة حراسة امنيه إلى جانب البعض منهم وقع فريسة عصابات ماليه إجرامية أفقدته جميع مايملك كل ذلك بسبب عدم وجود التوجيه المتخصص والتخطيط السليم المبكر في حياة اللاعبين.

وعلى سبيل المثال، جمع مايك تايسون ما يقارب الـ400 مليون دولار خلال مسيرته التي دامت 20 عامًا في الملاكمة والتمثيل، لكنه وقع وثيقة إفلاس، إذ وصلت ديونه إلى 23 مليون دولار عام 2003، كما أن لاعب كرة القدم الإنجليزي الشهير «ديفيد جيمس» أعلن إفلاسه عام 2014، ولعب لأندية واتفورد، ليفربول، أستون فيلا، وستهام يونايتد، مانشستر سيتي وبورتسموث في إنجلترا، واضطر لبيع جميع مقتنياته وتذكاراته الرياضية لتسديد ديونه، كما أن بوريس بيكر -لاعب التنس الألماني الشهير- تراكمت الديون عليه منذ أكتوبر 2015، أعلنت محكمة في لندن في يونيو 2017 إفلاسه بسبب عجزه عن سداد ديونه التي وصلت إلى 6 مليون يورو.

وأخيرًا تداولت بعض الصحف خبر اللاعب خالد مسعد، أحد أشهر اللاعبين الذين مثلوا منتخب المملكة في جميع الفئات السنية، وأسهم بتحقيق إنجازات عدة منها المشاركة في كأس العالم 1994 بأمريكا، وبلوغ دور الـ16 للمنتخب، إلى جانب الوصول لنهائيات كأس العالم 1998م في فرنسا.

كما حصل على جائزة أفضل لاعب عربي 1992م ويعد من أبرز لاعبي خط الوسط في تاريخ الكرة السعودية وبعد الاعتزال واجه خسائر فادحة أفقدته ثروته الكبيرة التي جمعها خلال مشواره الرياضي.

وختامًا كان لعدم وجود المهنيين والمتخصصين إلى جانب هؤلاء الرياضيين كان السبب الحقيقي لهبوط مستواهم الرياضي وتراكم المشكلات المتنوعة وارتفاع نسبة الضغوط إلى جانب إفلاسهم ماليًّا ومواجهتهم لعدد من المشكلات الكبيرة خلال فترة شهرتهم أو وخلال فترة نهاية مشوارهم الرياضي.

الدكتور عبدالله القفاري

الأستاذ المساعد في قسم الخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام بالرياض

@alqefari

الكلمات المفتاحية