Menu


فهد الشقيران
فهد الشقيران

ذكرى توحيد البلاد

الجمعة - 26 رمضان 1429 - 26 سبتمبر 2008 - 02:39 ص
ذكرى توحيد البلاد. تمرّ الآن ذكرى تأسيس الوطن من البحر إلى البحر، وهي ذكرى أثيرة على النفس، أن نستحضر تلك اللحظة الزمنية الثرية بمعانيها الاجتماعية، والسياسية، والتاريخية. لقد اختزنتْ ذكرى التأسيس أحاسيس كل مواطن يتذكّر كيف كانت هذه البقعة، ثم كيف صارت. كيف تكوّنت ونهضت من ركامٍ صحراوي هامد إلى قارة خصبة تجمع على أرضها تعدد المشاريع، وتنوع الطموحات. كم هو عمل عبقري ذلك الذي قام به المؤسس الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، حينما اجتثّ هذه البقعة من الدماء والأشلاء، من الجرائم الملثّمة، والأشباح المنظّمة، والغارات المنفلتة، إلى بلدٍ يتأسس باستمرار، إلى وطن شاسع مترامي الأطراف مكتنزٍ بالإمكانيات والمنافع. إنه يوم للمواطن الصالح، الذي آمن بهذا الكيان الكبير وجعل كل أدبياته وأخلاقياته تمرّ عبر احترام هذا الكيان والعزم على الدفاع عنه والافتداء به. إنها \"المواطَنة\" الحقّة، أن ينظّف المرء نفسه من التلوث الوهمي الذي يجعل من الإنسان رهْن ارتجاعات ادعائية تُنْقص من ولائه الذاتي والداخلي لهذا الوطن الشاسع، بعيداً عن التسخيف الذي يمارسه بعض القصّر الذين ارتموا في أحضان انتقاصٍ واهم لوطننا الأثير. في ذكرى التأسيس الهائلة بمضامينها نستذكر أن الوطن لم يقم على حملةٍ من \"التطهير\" وإنما قام على أساس جغرافي سياسي قوامه \"توحيد\" الأطراف، لقد استبدلت استراتيجية التأسيس المنظّمة -التي أشرف على رسمها المؤسس- أدبيات \"التطهير\" العرقي التي استخدمت من قبل البعض في دولٍ أخرى من العالم، استبدل تلك الأدبيات بأدبيات \"التوحيد\" الاجتماعي والجغرافي عبر الإشراف على مشروع سياسي ذكي قوامه الاشتراك الكبير الذي اتفقت عليه المجتمعات لتوحيد آمرها وحاكمها بشخصٍ هو الملك المؤسس وذلك لتضحيات كبيرة بذلت من قبله ومن قبل أنصاره الذين آمنوا بمشروعه، تلك التضحيات ساهمت في رسم قناعة شعبية بأهمية الدور الذي يقوم به الملك، وكان المشروع الذي أسسه يقوم على الاعتراف بلغة \"العصر\" وضرورة الانخراط فيه، وعلى ضرورة \"أقلمة\" منتجات العصر مع القوالب الاجتماعية، هذا مع فتح المجال للعارفين بإجراء حوار معرفي مع التقاليد التي لم يتم البرهنة على صلاحها فكرياً واجتماعياً. يتساءل البعض عن سرّ تعاظم الإيمان بالوطن والكيان لدى كبار السن وخموله لدى صغارهم، لدرجةٍ جعلت من القوى الطامحة الإقليمية خاصةً أن تؤثر على عقول البعض فتجندهم لمشاريعها \"الإرهابية\"، كما تستطيع بعض المشاريع الأخرى أن تثقب وطنية الصغار أكثر من الكبار، غير أن هذا التساؤل يعود إلى جذرٍ إشكالي هام وهو التحوّل الاجتماعي الذي شهدته المرحلة الحالية، فكبار السنّ عاشوا مراحل متنوعة ومخيفة قبل تأسيس الدولة وعلموا كيف كان الوضع من دون أن يتأسس هذا الكيان الشامخ، لقد عاشوا الرعب مع قطاع الطرق ومرتزقة القتل والنهب والسلب، علموا كيف أن هذا الكيان كان هو الضمانة الحقيقة التي جعلت من \"الرعب\" المنظّم جزءاً من التاريخ. إن العبء الآن على مؤسسات التعليم من جهة، وعلى الموجّهين، من كتاب ودعاة ومثقفين، أن يطهّروا أردانهم من الحساسية المفرطة تجاه التغنّي بالوطن، فالبعض يظنّ أن التغزّل بالوطن يدخل في الشرك و \"التوثين\"! وكم يعشش في رؤوس هؤلاء القدم والتعفن. هذه الذكرى ليست مجرّد \"مناسبة\" إنها لحظة سنوية لـ\"عيد\" نتذكر فيه ضخامة التوحيد للوطن المترامي الأطراف. لحظة لها عمقها الزماني والتاريخي، من المهم أن نجمع قوانا الذهنية والمعرفية لنستعيد تلك اللحظة التي غيّرت معالم المنطقة بأسرها. لقد كانت هذه المنطقة-قبل أن يتم تأسيسها وتوحيدها- \"مهملة\"، حتى على مستوى التأريخ، ذلك أنها كانت مهمّشة وموضع سخرية، كانت مجرد صحراء قاحلة كانت بقعة محطّمة بلا مستقبل.والآن أصبحت \"وطناً\" أصبحت هي \"الكيان\" الذي ينتمي إلى حضنه المرء، والوطنية ليست دعوى أو أغنية، إنها مشاعر تجتاح أعضاء كل وطن باستمرار، كما أن الوطنية في المقابل ليست مجرّد لباس، أو انتماء خطّي ولكنه \"الانضواء\" والذوبان داخل تراب هذا الوطن. إنني أشفق على زمرٍ تستحي أن تؤمن بهذا الوطن، جراء استلاب ديني، أو فكري، أو ذاتي، أو شخصي، إنها حساسية بشعة أن يظنّ المرء على هذه الذكرى باحتفالية، وهو حرمان من الإحساس بالمسؤولية أن تجتمع بذاتك وفكرك متجاوباً مع ذكرى كانت لحظة تحوّل أبدي لهذه البقعة الحساسة من العالم. نحتفل بهذه الذكرى باستمرار، مستذكرين صلابة الوطن واستعصاء الوطنية على الانتزاع مهما تكثّفت خطابات التخوين، كما نحتفل بالذكرى مجددين بغضنا وكراهيتنا ونقدنا العلمي والكتابي للإرهاب، ولثقافة التطبيع مع الاغتيالات والتهديدات، كما تأتي الذكرى لتجمع الوطن بكل انتماءات أبنائه، وبكل اختلافاتهم تحت سقف واحد، وعلى مستوى واحد، كما نعزم بمناسبة التأسيس على استمرار الإخلاص لهذا الوطن، والإخلاص يكون بالولاء من جهة، وبالنقد الحقيقي الهادف إلى التصحيح من جهةٍ أخرى
الكلمات المفتاحية