Menu


فهد الشقيران
فهد الشقيران

سنة الهدام قراءة في \"الرواية\".

الثلاثاء - 2 ربيع الآخر 1429 - 08 أبريل 2008 - 12:11 ص
\"الهدام\" رواية جديدة طبعت عن دار طوى 2008 من تأليف: موسى بن إبراهيم النقيدان، ومنذ أن أسعدني بإهدائها قرأتها، لقد شدني عنوانها، ذلك أن \"سنة الهدام\" -حدثت عام 1376هـ- أبرز كارثة طبيعية حلت بمنطقة القصيم وفي مدينة \"بريدة\" بالذات وموسى النقيدان بعمله هذا يسرد بأسلوب روائي ممتع وعبر شخصيات خلقها في روايته تفاصيل الحركة الاجتماعية التي رافقت كارثة المطر الهدّام الذي استمر على مدى أربعين يوماً، وحصل في في أول المربعانية 11 الإكليل 13 ديسمبر حيث فرّ الناس من بيوتهم وفضلوا اللجوء إلى الصحراء في ذروة البرد القارس، ويذكر إبراهيم العبيد في تاريخه (تذكرة أولي النهى والعرفان) مؤرخاً لهذه الحادثة أن الناس: (فروا هاربين إلى الصحراء لا يلوي أحد على أحد وذهلوا أموالهم ونسوا أولادهم وهنالك لا ترى أحدا يلتفت إلى أحد واختلط الحابل بالنابل وقام ضعفاء الناس متشوشين فصعدوا إلى رؤوس المنائر وجعلوا يكبرون وينادون بالأذان في منتصف الليل وسمعت ضجة عظيمة للخلائق هذا يؤذن وذاك يصرخ والآخر يئن ويصيح من البلل وشدة البرد ونزلوا في الفضاء والتجأوا إلى شجر الأثل الذي لا يغني عنهم شيئا يهطل عليهم الماء من فوقهم ويفيض من تحتهم). من خلال ضخامة ذلك الحدث ولدت الرواية التي كانت بمثابة حمولة من الصور النادرة التي تشرح حجم الكارثة وصدى وقعها على النفوس تلك الأيام. يرصد بروايته تفاصيل العيش فيكتب بوعي اجتماعي مميز منح الرواية نكهة مختلفة. إنها الرواية الأولى التي تتحدث بتفصيل ثري عن \"الهدام\"، سنة الهدام التي يذكرها أجدادنا جيداً لم تكن موضع حديث، ذلك أنهم لا يفضلون الحديث كثيراُ عن الكوارث والمآسي وإلا فهو الحدث الصارخ، لقد التجأ الناس إلى قرب موقع \"المستشفى المركزي\" حالياً لأنه مكان مرتفع والغني في تلك الفترة من يملك بساطاً يرفعه بأعواد يتوقى المطر. يقول المؤلف عن الرواية في لقاء أجراه معه الزميل عبد العزيز السويد: (كل شخصية موجودة في هذه الرواية هم عبارة عن أفكار نتداولها يومياً ، وهي مصدر النزاع بيننا , والأفكار المهيمنة فيها التي تمثّل حضارتنا وهي التي تعطي العالم صورة عنا ، إنها مهيمنة ليست بقوة أفكارها ولكن بقوة السلاح الذي يساندها ويدعمها ، فلو حذفت هذا تهاوت من أساسها وبسهولة). في نص رواية \"الهدام\" استوقفتني مربعات كثيرة من النصوص التي كانت بمثابة الوصف الدقيق لطبيعة المجتمع، فهو مثلاً: يشرح \"ردات الفعل\" العفوية التي حدثت إزاء بعض المدرسين الذين لم تستوعبهم الثقافة الاجتماعية، \"دانيال\" المدرس الذي طرد شر طردة بعد أن حرض صبية المدينة على \"الثورة\" من أجل ركوب الدراجات، وهو الأمر الذي رفضه أهل بريدة وكيف شكل دانيال هذا المدرس العربي الذي جاء من بلده للتدريس حزباً من المطالبين بقيادة الدراجات غير أن \"طاباش\"-الشخصية المزعجة في الرواية- منعهم من هذا العمل إذ يصف طاباش الدراجة بأنها \"حصان إبليس\" وهي \"حرام\". كما كان لشخصية \"البعيرصي\" التي ترمز لشخص يمثل الأبوة الروحية وحامي التقاليد الاجتماعية والأعراف الدينية القديمة المتشددة أكبر الأثر في الرواية، هذا فضلاً عن شخصية \"صياح\" التي كانت تجسد الطموح الذي لا يرد والحكمة في الرأي والحنكة في التصرف وهي الصفات التي ندرت إبان تلك الكارثة، لقد كان صياح مع زوجته \"طويلة\" التجسيد الرئيسي للبيت الصحراوي المكافح من أجل الاستمرار على قيد \"الحياة\" لقد رمى الكاتب ثقل الرواية على شخصية \"صياح\" حتى لكأن المؤلف يريد أن يجعل منها الشخصية النموذجية التي لو كان كل أهل بريدة على منوالها لخرجوا من نفقهم المظلم الذي ألمّ بهم تلك السنة، إنها شخصية مثيرة خاصة وهو يستطرد في وصف قهوته وطريقته في اتخاذ قراراته، لقد اقنعني أن صياح هو \"البطل\" ليس في الرواية فحسب وإنما في المدينة كلها. في الرواية يعرج المؤلف بذكاء نحو رصد يشبه الرصد الاجتماعي الإنساني حيث يجمع العادات والأساطير والأكلات اليومية كحلوى أهل بريدة الشهيرة (الكليجا) و كذلك التمر المتوفر باستمرار (اليبيس) وهو التمر الجاف، كما يستخدم كثيراً العبارات الدراجة التي يتداولها الناس تلك الأيام، كما أعجبني ذكره لطريقة تعامل الناس مع الجوع آنذاك، ولم تهدأ \"طويلة\" زوجة \"صياح\" من تذكيره بخطورة تجارة \"العقيلات\" على حياته، في تلك الفترة من حياة أجدادنا في الصحراء لم يكن لدينا موارد اقتصادية كما هو الحال الآن، كان الحديث عن \"البترول\" يتردد على لسان \"صياح\" لكن آثاره على الحياة لم تبدأ بعد، لذا لم يكن أمام الإنسان الصحراوي سوى العيش بعرق جبينه. أعجبني أيضاً الوصف المحترف للإنسان الصحراوي، يكتب المؤلف على لسان مدير الثانوية وهو يخاطب دانيال:(إن أهلها سر غامض، لا تستطيع أن تدخل في أعماقهم مهما حاولت ذلك، وإن ألحيت عليهم فإنهم يهربون عنك، عليك أن تتعلم وسائل أخرى من اختراع الصحراء لتعرفها ويجب عليك أن لا تسأل بل تستقرئ ما تريد من الجبين أو تعابير الوجه أو العيون، لأن أهل الحفرة –بريدة- ليسوا صادقين ولكنهم لا يكذبون، ما بين الصدق والكذب تكتشف الحقيقة) في مكان آخر يتحدث دانيال بينه وبين نفسه وهو في حالة إحباط (إن جميع الأحلام التي تحلم بها مستوردة وهشة لا تستطيع أن تلتحم مع صخور الصحراء الخشنة) الصحراوي في عمقه مليء بالإحباط لقد تساءلوا في حوار آخر (لماذا الهجرة؟ ما الفرق بين الصحراء والصحراء المقابلة؟) ينصح الأستاذ المدرس الجديد: (عندما تريد أن تكشف الصحراء يجب أن ترعى الجمال أولاً) إنها حوارات جسد عبرها المؤلف رؤية ثمينة عن طبيعة حركة الاجتماع داخل الصحراء. عبر ذلك الحدث نكتشف الإخلاص للتقاليد حد التهور والتجبر، في الرواية رصد المخاضات الأولى لإدماج هذا المجتمع الصحراوي في الحياة، واجتهاد الحكومة من أجل إدخال التعليم والأنظمة الجديدة وتغيير الأفكار والعادات في حينها، كما في المجتمع الطرائف الكثيرة التي أردها أيضاً إلى \"البراءة المدمرة\" حينما يكون المجتمع ببغاوياً يعرف شيئاً واحداً فقط هو \"رفض الجديد\" هو رصد لماروراء الكواليس كأنك تشاهد فيلماً وثائقياً عن كارثة الكوارث بالنسبة لأهل القصيم عامة ولأهل \"بريدة\" بالذات. حتى الآن تلمس في المسنين \"الخشوع\" مع كل مطر يطول ذلك أن صور الصراخ وتساقط البيوت وموت الآلاف لا تزال تسكن ذاكرتهم، يعيدهم صوت المطر إلى ذكراهم البعيدة حينما كانوا يصارعون الموت الجماعي، يبعث المطر أشجانهم لقد كانوا لوحدهم في العراء من تحتهم البرد القارس ومن فوقهم المطر ومن حولهم الذئاب المتوحشة تفترس النائمين على حين غفلة. فهد بن سليمان الشقيران shoqiran@gmail.com
الكلمات المفتاحية