Menu


منصور النقيدان
منصور النقيدان

رحلتي مع الكتاب 2... ( بدايات التحول)

الأحد - 14 ربيع الآخر 1429 - 20 أبريل 2008 - 01:39 م
في عام 1404 افتتح المركز الصيفي في مدرسة تحفيظ القرآن الابتدائية في حي المستشفى المركزي، وأصبحت عضواً في أسرة (أبوداوود) التي يشرف عليها فهد الصايغ. كان فهد يتمتع باحترام وتقدير زملائه من المشرفين ومن أعضاء أسرته، وفي السنة التي تليها كنت ممن جرى اختيارهم ليمثلوا متوسطة القادسية في مخيم إدارة التعليم الذي أقيم في الطرفية في شتاء قارس لازلت أذكر صقيعه. استيقظت اليوم الثاني لصلاة الفجر وكنت قد فقدت البالطو الذي أحضرته معي، وبعد الوضوء كنت أرتجف وأنا جالس قرب النار بانتظار الأذان فأدناني شخص سمين كان يلبس بشتاً بنياً وأسدل علي من عباءته وأدناني منه بتحنان ورقة نادراً ما شعرت بمثلها، لقد أمضيت سنوات وأنا أسأل كل من عرفت أنه شارك في تلك الرحلة عن هذا الإنسان حتى عرفت أن صاحب العباء هو أحمد الوزان الوكيل الأسبق لمدرسة تحفيظ القرآن الابتدائية. في أيام المخيم الثلاثة استمعت ونحن على الغداء إلى نقاش عن إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي ، جرى بين صالح الخضيري وبين صالح العبدالمنعم المشرف على أسرتنا، كان حديثاً حول أثر مروي عن فضل الحديث على الطعام. صالح الخضيري هو إمام مسجد في الوسيطى مجاور لدار الملاحظة. وذات مرة كنت راجعاً من المدرسة على السيكل فشاهدت لأول مرة لوحة من النيون الأصفر بخلفية سوداء مكتوباً عليها( تسجيلات القادسية الإسلامية)، كان مقرها ملاصقاً لأسواق المطوع ثاني أكبر الأسواق التي افتتحت في بريدة بعد أسواق الشبعان في شارع الخبيب.توقفت وسألت عن أشرطة مناسبة لي فأعطاني العامل الهندي الملتحي الفهرس واقترح علي أن أختار من أشرطة أحمد القطان الخطيب الكويتي مايناسبني وقمت أنا باختيار شريط ثان عن الماسونية لعبدالرحمن الدوسري.كان قد سبق افتتاح تسجيلات القادسية بفترة قصيرة تسجيلات البخاري، بعدما كنا صغاراً نشتري أشرطة عبدالباسط وكشك وقصة يوسف لابن ريِّس من استريوهات الأغاني في الخالدية أصبح الآن لدينا تسجيلات خاصة بالدينية.وفي الزيارات اللاحقة قال لي سأعطيك شريطين ممنوعين، وخرجت من عنده ومعي خطبة القطان الشهيرة عن مجزرة حماة، وخطبته الأخرى عن اغتيال السادات. في السنة التي تليها كنت في السنة الثانية فتعرفت على مراهق يصغرني قليلاً كان في السنة الأولى، ذكياً وفخوراً بنفسه ويتحدث بطريقة مفعمة بالاعتداد، وإذا قرأ النصوص قرأ بلغة فصيحة ومخارج سليمة، أصبح عضواً في جمعية التوعية الإسلامية، وذات مرة كنت في الفسحة مع زميلين من الفصل وهما خالد العثمان وعبدالحميد الفوزان، فوقف واستأذن وقال لي: لقد استشرت الأستاذ عبدالعزيز اليحيى في شخص أختاره صديقاً لي وأخاً فأشار علي بك. كان هذا الإنسان هو عمار عبدالكريم بكار المدير التقني لقناة العربية والكاتب في جريدة الاقتصادية. شاركت عماراً في مسرحية قدمناها في المدرسة عن القدس، جسدت فيها دور المسجد الأقصى وأذكر أنني حينما دخلت أنشدت بحماس مخاطباً صلاح الدين: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس* جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس كنت محفوفاً بالتقدير الكبير من أساتذتنا الثلاثة عبدالعزيز اليحيى وعبدالله الصالح القرعاوي ومحمد المطلق العمرو، وكان اليحيى يحضر معه في يوم الجمعية ابنه إبراهيم وهو صبي لايتجاوز العاشرة ، وذات مرة طلب مني قراءة آيات من إحدى السور فأخطات في مواضع كثيرة ثم قرأها إبراهيم بشكل ممتاز، وكما هو متوقع فلم أسلم من سخرية زملائي.وأظن هذه القصة كانت من الأسباب التي شجعتني بتوجيه من اليحيى للالتحاق بحلقة لتحفيظ القرآن لأن درساً واحداً أسبوعياً كما كان الحال عليه لايساعد الطالب على إتقان قراءة القرآن. حالفني الحظ في مركز الحرمين في رمضان 1405 كرة أخرى بأن كنت ضمن أسرة فهد الصايغ الكبيرة التي قسمت إلى ثلاث فرق، كان شخصاً مختلفاً بطريقة حديثه وثيابه الصيفية الملونة التي لم أجد من يلبسها مثله إلا قلة في بريدة كان منهم خالي فهد البراهيم الحمود، وبثقافة الصايغ الواسعة التي أدهشتني في تلك المرحلة من عمري وجدته ملهماً لي وقدوة صالحة بعدما سمعت محمد المشوح وهو يؤكد لبعض الزملاء في الأسرة بأن فهداً يقرأ كل يوم خمس ساعات، كان فهد يصلي بنا أحياناً صلاة المغرب ويحاكي إمام الجامع الكبير عبدالله البراهيم القرعاوي في طريقته في القراءة بشكل جميل ومؤثر. مرة كنت أنا وهو ومحمد الفهد التويجري جالسين على طرف المسرح فتحدث ساعة كاملة بطريقة مشوقة عن الماسونية وجعل يرسم لي رموزها ويشرح دلالاتها.كان يشيع من حوله دائما جواً من البهجة والاحترام واللطف البالغ.قابلته قبل ثلاث سنوات في عرس فصافحته وعرفت عن نفسي وعجزت عن أن أنطق بكلمة اعتذار كنت قد زورتها في نفسي عن إساءة حمقاء بدرت مني قبل 19 عاماً. كنت ضعيفاً في مادة التعبير شأن أترابي من معظم طلاب التعليم بسبب طريقة التدريس السيئة لهذه المادة، كانت معظم المواضيع التي يطلب من الطالب الكتابة عنها لاتتجاوز بر الوالدين والجمل سفينة الصحراء، وحينما كنت في السنة الثانية المتوسطة قمت بأول تجربة لي. كانت في شتاء 1405 ، كتبت كلمة عن المعلم الصالح القدوة وقمت بإلقائها في الطابور الصباحي، اقتبست كثيراً من فقراتها من محاضرة للخطيب الكويتي أحمد القطان، وعرضتها على أستاذي عبدالعزيز اليحيى الذي أصبح وكيلاً للمدرسة، فأعجبتْه الكلمة، وكانت نقداً لاذعاً للمدرسين الذين يحلقون لحاهم ويقصرون في الالتزام الشكلي بتعاليم الدين. قابلت أستاذي هذا في عام 1412 وأخبرني أنه لم يزل يحتفظ بتلك الكلمة. كنت قد كتبتها بحبر أخضر. في هذا العام 1405 عرفت جارنا محمد العويد الذي سكن حديثاً في بيت والدته الملاصق لبيتنا، وكان من الصفوة المقربة من فهد العبيد ، قال لي ذات مساء: إن كنت تريد أن تطلب العلم فابدأ بالأصول الثلاثة حفظاً وفهماً. وأرشدني إلى كتاب آخر لحمود التويجري وهو (الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين)، وجدته يباع في مكتبة النهضة. وبعد أيام اقترحت على رئيسي في مركز الحرمين محمد المشوح أن نجعل الأصول الثلاثة موضوع مسابقة بين أسر البراعم الثلاث بأعضائها التسعين، فعرض الموضوع على المشرف فهد الصايغ فوافقت إدارة المركز، وكما كان متوقعاً فقد اكتسحنا الجميع وحزنا الجوائز في ثلاث مسابقات، وكان الفضل في ذلك يعود لمجموعة من الأعضاء الذين امتازوا بحافظة قوية وهم صالح البراهيم التركي و(المزيني إخوان) أحمد وإخوته وأبناء أخيه. توقفت عن مشاركة زملاء الفصل وأصدقاء الحارة في اللعب بكرة القدم لأن التويجري كتب صفحات في تحريمها بالأدلة.في حصة الرياضة كنت أنزوي تحت أثلة وأتفيؤ ظلالها وأقرأ في كتاب هذا الدين لسيد قطب، وكنت إذا صليت الفجر عدت إلى البيت وقرأت في كتاب معالم في الطريق ، ولكنني لم أفهم كثيراً مما ذكره، كنت أحتاج إلى خمس سنوات لأتمكن من فهمه. ذات مرة كنت في طلعة بعد العصر مع بعض الزملاء الذين استمرت علاقتي بهم لفترة بعد انتهاء المركز الصيفي وكان معنا حمود الفحيل، فرآني قد انزويت عن الجميع واعتذرت عن اللعب بالكرة معهم فحاصرني بالأسئلة حتى عرف السبب، وكان ممن درس في صغره في المدرسة الدينية، وعرف الأخوان وانشق عنهم في شبابه، فاقترح أن يقوم هو بتوصيلي إلى منزل أهلي وجعل يتحدث طوال ساعة وأنا صامت، كان قلقاً من أن ألحق بالأخوان، واليوم يحق لي بأن أقول بأنه كان صاحب فراسة. لاحقاً ستكون مطالعتي مقصورة على كتب الدين، الحديث والفقه وكتب الاعتقاد، ووجدت المتعة والتسلية في كتب التاريخ والتراجم والسِّيَر، ولأنني كنت في شِرَّة الشباب فقد وجدت متعة لاتُضاهى في (روضة المحبين) و(ذم الهوى) وهما كتابان خصصا لمناقشة فلسفة الحب وضروب العشق ومصارع الهائمين، بعض من القصص وأجزاء من الكتابين ناقشت العلاقة بين الجنسين وتفاصيل العلاقة بطريقة لم تكن تخلو من إثارة، ولأن المؤلفين وهما ابن الجوزي الحنبلي وابن قيم الجوزية من الأئمة الكبار فقد كان ذلك غطاء أراحني من الإحراج والتطفل، وكان لابن الجوزي كتابان آخران ممتعان هما أخبار الحمقى والمغفلين، وكتاب الأذكياء، وفي كتاب الحمقى والمغفلين سرد لقصص لايمكن اليوم لأحد من علماء الدين أن يؤلف على منوالها، لسببين:أولاً لأن قيام رجل دين بتأليف كتاب مثل أخبار الحمقى هو اليوم أمر يعتبر خارقاً لوقار الفقيه وغير لائق بناموسه، ولسبب ثان أكثر أهمية، وهو أن بعضاً من النوادر والنكات التي سردها عن أئمة وقراء ومؤذنين قد يحكم على قائلها وربما ناقلها بالكفر والردة عن الإسلام، وكان ابن الجوزي عالم دين وفقيهاً ومفسراً وواعظاً ومؤرخاً وشاعراً ، وقد كان عاشقاً لمطلَّقته التي كانت تحضر أحياناً مجالس وعظه، وفيها قال متوجداً عليها عشرة أبيات حلوة ذكرها صديق خان في التاج المكلل منها هذان البيتان: ترفق رفيقي هل ترى نار دارهم * أم الشوق يذكي ناره ويثيرها* أعد ذكرهم فهو الشفاء وربما* شفا النفس أمر ثم عاد يضيرها ولهذا خصص كتابه\"ذم الهوى\" لفلسفة الحب. في ضحى يوم من أيام صيف 1406 كنت في الغرفة الصغيرة تحت منارة مسجد عودة(الحميدي)،فاقتحم الغرفة رجل قد ناهز الأربعين. كان حليقاً بدا لي وقتها أنه كان طويلاً.وسألني ماذا تفعل؟ فانزعجت من طريقته وقلت ماذا تقصد؟ قال وش تسوون هنا. انا اسمع عنكم واحب اعرف عنكم؟ سألته وش سمعت؟ قال:سمعت أن في هذا المسجد شباب زهاد. قلت له: لا ليس صحيحاً. حنا طلبة علم. قال وش تطلبون ؟ قلت علم الكتاب والسنة يالاخ. قال تقرؤون الفلسفة قلت له: أعوذ بالله. ثم خرج. بعد أربع سنوات عام 1410أوقفت سبعة وأربعين يوماً في مباحث بريدة بعد خطبة جمعة ألقيتها عن التعليم وكان جاري في الزنزانة صالح العقيل صاحب مكتب النيلين العقاري في عمارة الباخرة في شارع الخبيب، وكان موقوفاً بسبب عيادة الطب الشعبي التي افتتحها في الضاحي الغربي وأكد لي أنه كان هو ذلك الشخص. منتصف عام 1407 قمت بكتابة مذكرة من ثلاث صفحات، ونشرتها في دائرة ضيقة من الزملاء والأصدقاء.أتبعتها بثلاث أخرى كتبتها بأسلوب الفقهاء وطريقتهم في الاستدلال وشرح أوجه المسائل.لم تكن بدايتي في التأليف تلك لتلقى الترحيب من شيوخي بعد أن وقعت واحدة منها بيد أحدهم، لأن لديهم وجهة نظر تقول بأنه على طالب العلم ألا يستعجل في التصنيف. عليه أن يقضي على الأقل خمس سنوات من الطلب والتفرغ التام وعليه أن يغلق الباب بوجه القواطع والعوائق التي تحرمه من المواصلة. ولكنني لم ألتفت لتلك النصائح. في صيف 1408 اجتزت بمكتبة الأندلس، التي تقع في شارع الصناعة قبل محلات إبراهيم السداح والعمار والحسينان للأواني بعشرات الأمتار تقريباً على يمين المتجه جنوباً ناحية تقاطع شارع الخزان مع الصناعة، كان صاحب المكتبة الفرج يصرِّف كثيراً من بضاعته بالسلف على مبدأ الثقة بالزبون. لم يكن يعرف من تكون ولكنه يعطيك ماترغب في شرائه ويقول لك لابأس إذا كنت لاتملك الآن الثمن فبإمكانك أن توفره في المرة القادمة.كانت هذه طريقته في إقناع العميل. سألته: هل عندك من جديد؟ فعرض علي الأمثال الشعبية للجهيمان في عشرة مجلدات، واقترح أن آخذ معه \"ألف ليلة وليلة\" لزمت الصمت وأصابني الوجوم وقلت له:لا، هذا لايناسبني، قال لابأس خذ الكتاب الآن وإذا لم يناسبك فبإمكانك أن ترده إلي ، وإذا ناسبك فأحضر ثمنه المرة القادمة، أخذت الكتاب ولكنني قمت بتغيير غلافه حتى لايلفت انتباه أحد من الإخوان، ووضعت عليه غلاف كتاب \"رياض الصالحين\" وقررت بعد الانتهاء منه أن أعيره صديقاً لي من الإخوان كان قد افتتح مشروعاً صغيراً لبيع مواد البناء والسباكة، قام هو بدوره بإخفائه في درج في دكانه وأخذ يقرأ فيه كلما سنحت له الفرصة، كشف الأمر صديق لنا ثالث وقال لي في اللحظات التي اكتشف فيها الأمر ساخراً\" وش رايكم نقرا منه على جماعة المسجد\" ولكنه بعد دقائق قرر أن يستعيره هو أيضاً، وهكذا دار الكتاب بين مجموعة من الأشخاص كلهم تلقفوه بشغف ، لم نكن نقرأ الجرائد ولا المجلات ولا نستمع إلى الراديو ولا نشاهد التليفزيون. فقائمة المحرمات لاتستثني شيئاً منها، فكانت قصص ألف ليلة وليلة تعويضاً عن ذلك. قمت مرة بزيارة لمكتبة الطلبة التي انتقلت إلى مقرها الجديد في شارع الخبيب غرب مدرسة الخالدية، واخترت من بين الكتب المعروضة رواية عنوانها\" مأساة حقيقية لأسرة كردية\" أعجبني عنوانها وشعرت أنني ربما أجد فيها بعضاً من السلوى، كنت في تلك الفترة أعيش وحيداً بعيداً عن أهلي في منزل طيني كبير وموحش قبالة محراب مسجد الخريصي وكان عندي ضيف جاء من الرياض، كان نائماً في طرف الغرفة الكبيرة وأما أنا فقد أخذتني أحداث القصة الحزينة وعشتها فصلاً فصلاً إلى قبيل صلاة الفجر، وحين قاربت الانتهاء أجهشت بالبكاء حزناً على كولبهار الذي كان آخر من بقي من عائلته على قيد الحياة، وهو الآن يلفظ أنفاسه ليختم مأساة عاشتها عائلته المعذبة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. في رمضان 1408 نشرت مذكرة من سبع وعشرين صفحة تنتقد أحد شيوخ الجماعة وهو الشيخ فهد العبيد، كتبتها بأسلوب حاد ساخر، وبعد أربعة أيام بدأت أولى ردود الفعل، ولم يمض شهر حتى أصبحت معزولاً كالبعير الأجرب، تربصت لأرى كيف ستكون ردة فعل شيخي الأثير عبدالله الدويش، بعد عودته من مكة التي يقضي فيها شهر رمضان بكامله معتكفاً متبتلاً ويصوم فيها غالباً الستة من شوال، بعد زيارته لفهد مهنئا له بالعيد جرى إبلاغي بمنعي من حضور دروسه. أحزنني المنع وبعد أسبوع جاءني عبدالعزيز البرادي وأخبرني أن الشيخ قال له: لامانع من حضور منصور للدروس، ولكنني رفضت العودة وتوفي بعدها بأيام.وفي عام 1409 نشرت مذكرتين أخريين كتبتهما بأسلوب مزيج من لغة الفقهاء والكتاب الإسلاميين المحدثين.كانتا عن حكم استخدام المسجل في الاستماع إلى الشرطة الدينية. بعد هاتين المذكرتين أخبرني غير واحد من الأخوان عن عدد من المنامات والرؤى التي تنذر بانتكاسة لي وشيكة عن درب التقوى.بعد سنوات أخبرني صديق بأنه رآني في المنام وقد استحال وجهي إلى وجه جرذ متفحم. في عام 1412 هيأت لي مكتبة سجن المباحث العامة أن أطلع على مجموعة من مؤلفات كبار الأدباء والمفكرين والمثقفين العرب في القرن العشرين، فقرأت عبقريات العقاد، وتحت راية القرآن للرافعي، واشتريت ذكريات الطنطاوي وباقي مؤلفاته، وتشجعت أخيراً فقرأت على فترات متقطعة بعضاً من أعداد صحيفة الشرق الأوسط ولكن ذلك لم يستمر بعد خلاف نشأ بين رفقاء الزنزانة تسبب في عدم دخول الجريدة بسبب الصور وتوجه الجريدة . قرأت بعضاً من مؤلفات المنفلوطي، وقمت بحفظ صفحات مختارة من معظم هذه المؤلفات وكان منها معالم في الطريق، وبعد أن أفرج عني قمت في أحد أيام 1414 بزيارة لأخي الأكبر موسى، وفاجأه في زيارتي تلك أنني كنت أتحدث عن العقاد ورشيد رضا ومحمد عبده، فقال لي إن عندي كتاباً أحب أن تلقي نظرة عليه وهو لعالم أزهري متخصص في اللغة، وبعد دقائق أحضر لي كتاب\"بنية العقل العربي\" للمفكر المغربي محمد عابد الجابري. كانت تلك حيلة من أخي الذي كان يتوقع أنني سوف أرفض تصفح كتاب يناقش قضايا جوهرية في صلب الفكر السلفي، قال لي: اقرأه وستجد عليه ملاحظات، احتفظ بملاحظاتك لنقوم بمناقشتها في زيارتك القادمة، أخذت الكتاب واستغرقت قراءتي له شهراً أو يزيد. وقعت في الفخ. احتاج الكتاب مني تركيزاً عالياً لأتمكن من استيعابه، ولكنني كنت مع كل صفحة أشعر بسعادة عارمة واندهاش جذل. كنت على معرفة ببعض مما ذكره عن العرفان والبيان والبرهان ولكنها لم تكن مرتبة ولا منظمة ، كانت معلومات مبعثرة، فقام الجابري برد كل واحدة منها إلى أصلها ومنبعها، كثير من المتون الصغيرة التي يحفظها الطلبة في دروس العلماء في المساجد كانت تناقش معظم المسائل التي بحثها كتاب الجابري من منظر سلفي تَيْميًّ، ولكن الجابري قام بتصنيفها وتفسير خلفياتها وجذورها بأسلوب يخلب الألباب، ولهذا شعرت بأنني وقعت على كنز. كنت أتنقل بالكتاب بين رفاقي، وكان بإمكاني إقناع من سأل عنه بأنه كتاب في أصول الفقه أو في اللغة العربية وينتهي الفضول، ولكن هذه الخديعة لم يكتب لها النجاح دائماً، فقد كنت في مجلس عبدالعزيز البراهيم البرادي والكتاب معي فقال لي أحد ضيوفه: أتقرأ للجابري؟ أصابني الارتباك فسألته وهل تعرفه؟ قال: نعم. هذا شيخ العلمانيين، إنه يكتب في الشرق الأوسط باستمرار، فقلت له :ولماذا تقرأ الشرق الأوسط وهي لاتقل خطراً من أفكار الجابري؟ فقال لي: هذا كان مني سابقاً وليس الآن. قلت له: هذا الكتاب تقتصر أبحاثه في تأريخ اللغة العربية واجتهادات علمائها، وأنني قادر على التمييز بين الحق والصواب.نظر إلي بابتسامة فاترة وسكت. توثقت صداقتي بهذا الإنسان الرائع بعد هذا الحديث، وبعد ثلاث سنوات من هذه القصة مضى عن دنيانا مع تباشير الصباح الأولى في شعبان 1418 وهو لاطئ بركن مصلى عبدالكريم الحميد القديم الملاصق لاستراحة الحسن في الطرف الشمالي الغربي لحدود الخبيبية. كان هذا الإنسان غريب الأطوار، ألجأته الظروف إلى مصادقة أشخاص لايتطابقون مع تفكيره ونباهته وأسئلته الذكية التي لاتتوقف، ودفعته ظروفه لأن يجاريهم في أفكارهم لأنه وجد بينهم الحب والدفء والرعاية، كان له وجهات نظر جريئة تتطابق أحياناً مع أفكار أبي العلاء المعري في الدين والقدر والكفر والإيمان، ولقد كان محظوظاً لأنهم لم يكونوا يأخذون أفكاره تلك على محمل الجد.ولكنه كان مع ذلك مؤمناً إيماناً عميقاً. بعد (بنية العقل العربي) قمت بزيارة مكتبة العبيكان في مركزها الرئيسي على طريق الملك فهد في الرياض، فلاح لي من بين الكتب المعروضة عند مدخل المكتبة كتاب(المحنة .بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام) للمفكر الأردني فهمي جدعان، تصفحت الكتاب بشكل سريع فقررت أن أشتريه، وقضيت يومين أقرأ الكتاب في منزل صغير كنت قد استأجرته حديثاً بهوطان جنوب شرق بريدة. كان ذلك الكتاب أكبر انقلاب حدث في حياتي. لقد أحدث زلزالاً هزني من الأعماق وبقيت أفكاره تُعملُ أثرها لفترة طويلة. في ذلك العام قرأت كتباً أخرى للجابري ولغيره، ولكن التأثير الأكبر كان لكتاب المحنة، في أكثر من اجتماع مع زملائي وأصدقائي في العامين 1415-1416 كنت ألمح كثيراً إلى تلك الأفكار بطريقة غير مباشرة، كنت أكشف عنها بشكل تدريجي ، وحينما ألامس تخوم المنطقة المحرمة كان صديق لي يشير إلي أو يقرصني بيده ليحثني على التوقف . كان خائفاً من ردة الفعل أو من عبارة تنقل على غير وجهها وأدفع ثمنها غالياً. alngidan@yahoo.com
الكلمات المفتاحية