Menu


د. عبدالله القفاري

1/5 الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي

الخميس - 10 ربيع الأول 1441 - 07 نوفمبر 2019 - 10:43 ص

في السنوات الأخيرة، أصبحت الرياضة من أهم أعمدة العمل الاجتماعي والتطوعي، وأصبح المجتمع يطالب اللاعبين والمشاهير من الرياضيين والنوادي الرياضية ومنظمات الرياضة والشباب؛ بأن يكون لهم دور فاعل خارج أسوار الملاعب، من خلال الأعمال الاجتماعية والتطوعية داخل المجتمع، بجانب أن الرياضيين يواجهون جملة كبيرة من الضغوط في حياتهم؛ ما يؤثر سلبًا في أدائهم الرياضي وتصرفاتهم ومزاجهم العام، بل وفي علاقاتهم ككل، خاصةً أن اللاعب أكثر الناس تأثرًا بالغرائز السبع التي ذكرها عالم الأعصاب جاك بانسكيب حين قال إن الغرائز الأساسية السبع في الدماغ البشري هي: "الغضب، والخوف والذعر، والحزن، والأمومة، والمتعة/ الشهوة، واللعب، والسعي/البحث".

وتبدو غريزة السعي هي الأكثر أهميةً للاعبين من أجل الفوز والانتصار داخل الملعب؛ لهذا السبب وذاك أصبح للاختصاصي الاجتماعي دور مهم جدًّا للعمل داخل المجال الرياضي، وأصبح المجال الرياضي من أهم المجالات الحديثة في الخدمة الاجتماعية. وفي هذا الجانب سيكون للكاتب حديث عن هذا المجال في خمسة مقالات تتحدث عن خمسة جوانب؛ هي:

الجانب الأول- الضغوط الحياتية على الرياضيين.

الجانب الثاني- الحاجة إلى الاختصاصي الاجتماعي في المجال الرياضي.

الجانب الثالث- أهداف الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي.

الجانب الرابع- الحاجات الأساسية للرياضيين.

الجانب الخامس- أهم مبادئ الخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي.

الضغوط الحياتية التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم وتأثيرها في أدائهم

مع الضغوط الكبيرة التي تقع على الرياضيين، وخاصةً لاعب كرة القدم لتحقيق التفوق والنجاح، سواء من النادي أو المدرب أو الجماهير أو الأسرة، أو حتى المستثمرين في النادي، بالإضافة إلى الجهد البدني الكبير والنظام الحياتي والغذائي المطالَب فيه بتحقيق النتائج الرياضية المميزة... إلخ هذا كله جعل اللاعبين تحت ضغط رهيب ربما يُفقدهم التوازن في أدوار الحياة، أو ما يسمى في علم الكوتشنج بعجلة الحياة المتنوعة.

هذه الضغوط اللا محدودة، تتطلب نوعًا خاصًّا من الرعاية الاجتماعية والنفسية المبكرة من أجل الحفاظ على سلامة اللاعب، وعلى قدراته الرياضية بأكبر قدر ممكن بجانب الحفاظ على سلامته النفسية والجسدية من الإصابات أو المنشطات التي قد تعوق حياته الرياضية في المستقبل، والتغاضي عنها أو إهمالها أو عدم معالجتها مبكرًا سيكون له تداعيات خطيرة في حياة اللاعب وعلى الفريق ككل وعلى مَن حوله.

ومع تطور اهتمام الدول والفرق بسلامة اللاعبين في السنوات الأخيرة، التي تعدهم ثروة وطنية يجب المحافظة عليها؛ ظهر ما يسمى بالخدمة الاجتماعية في المجال الرياضي؛ من أجل تلبية احتياجات الرياضيين ورفاهيتهم ومساعدتهم على التخطيط والنجاح خلال مسيرتهم الرياضية، وتحفيزهم للتفوق والنجاح حتى في مرحلة ما بعد اعتزال الرياضة.

الاختصاصي الاجتماعي الرياضي صاحب مهنة محترفة تقوم على مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات على استثمار قدراتهم وتحفيزهم في تحسين أدائهم من عدة جوانب، بجانب المساعدة في حل المشكلات والصعوبات التي تواجههم، والوقاية منها؛ لهذا يسعى الاختصاصي الاجتماعي الرياضي إلى مساعدة الرياضيين من خلال توفير التوجيه والتحفيز والدعم، وربطهم بالتخصصات التي يحتاجون إليها؛ من أجل ضمان رفاهيتهم العامة، وضمان استمرار عطائهم الرياضي، والحفاظ على سلامتهم واستقرارهم الاجتماعي والنفسي.

كل هذا جعل للخدمة الاجتماعية دورًا مهمًّا في المجال الرياضي، التي تُمكِّن الاختصاصي الاجتماعي من أن يقدم مجموعة من الخدمات الاجتماعية والتوجيهية والتحفيزية التي يكون لها دور فعال في مساعدة الرياضيين على فهم أنفسهم وفهم المشكلات التي تحيط بهم، وتزويدهم بالمهارات التي يحتاجون إليها من أجل استغلال ما لديهم من إمكانات ومهارات وقدرات، وكذلك الوقوف معهم من أجل تحديد أهدافهم على ضوء إمكاناتهم الشخصية والاجتماعية والمادية، واختيار أنسب الطرق لتحقيقها في ظل الضغوط التي تحيط بهم من عدة أطراف، خاصةً أن شعور اللاعب بالفشل في تحقيق أهدافه قد يعرضه لما يسمى بعملية "الاحتراق" التي تدفع اللاعب إلى العزلة الاجتماعية والمشاكل النفسية والتغيب عن بعض التمارين وانخفاض الأداء الرياضي، وربما الإقبال بشغف على بعض السلوك السلبي، كالتدخين وتناول بعض المنشطات والممنوعات.

لهذا تأتي الحاجة الملحة إلى وجود الاختصاصي الاجتماعي في النوادي الرياضية بجانب اللاعبين والجهاز الفني والإداريين لمساعدتهم على التخلص من هذه الحالة مبكرًا؛ حتى لا يفقدوا قدرتهم على المنافسة الرياضية والاستمرار في المشاركة الفعالة؛ كلٌّ في مجاله.

كما أن للاختصاصي دورًا مهمًّا في كل مراحل حياة اللاعبين، سواء كان ذلك خلال طفولته وتهيئته للعب في بداية مشواره الرياضي وحمايته من الاعتداء أو الابتزاز.

وعلى سبيل المثال، عاشت أمريكا صدمة على وقع فضيحة جنسية هزَّت الرأي العام، بعدما كشف تقرير رسمي أن المدرب في كرة القدم "جيري سانداسكي" يستغل عشرات الأطفال جنسيًّا، وأدانته هيئة قضائية بأكثر من ثلاثين تهمة، كما واجه المدرب برتران شاريه دعاوى من تسع لاعبات تزلج، وأوقف في مارس من عام 2015، ثم أدين في يونيو الماضي في 37 تهمة تصل عقوبتها إلى السجن 14 عامًا.

لهذا أصبح للاختصاصي الاجتماعي دور مهم في مساعدة الرياضيين وحمايتهم من الاستغلال في قراراتهم، وحتى في مراحل متقدمة من شهرتهم الرياضية، وإلى ما بعد الاعتزال، ومواجهة حياة ما بعد الرياضة والانتقال ربما إلى جو اجتماعي مختلف، وإلى مهنة أو وظيفة مختلفة تمامًا عن ممارسة الرياضة والجوانب المحيطة بها، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المعيشية أو النفسية المختلفة.

وقد شاهد العالم عشرات من اللاعبين الكبار يتعرضون للانتكاسات خلال شهرتهم بسبب الإصابات المتكررة أو المنشطات والمخدرات، كما أن عددًا كبيرًا منهم أصبح عالة على المجتمع لا يجد قيمة فاتورة العلاج، بعدما كان يملك الثروات الطائلة، والبعض منهم اضطر إلى العمل في مهن بسيطة أو عمالًا في مؤسسة حراسة أمنية، ومنهم مَن وقع فريسة عصابات مالية إجرامية أفقدته جميع ما يملك.. كل ذلك بسبب عدم وجود التوجيه المتخصص والتخطيط السليم المبكر في حياة اللاعبين.

وعلى سبيل المثال، جمع مايك تايسون ما يقارب 400 مليون دولار خلال مسيرته التي دامت 20 عامًا في الملاكمة والتمثيل، لكنه وقع وثيقة إفلاس؛ إذ وصلت ديونه إلى 23 مليون دولار عام 2003، كما أن لاعب كرة القدم الإنجليزي الشهير «ديفيد جيمس»، أعلن إفلاسه عام 2014، بعدما لعب لأندية واتفورد، وليفربول، وأستون فيلا، ووست هام يونايتد، ومانشستر سيتي، وبورتسموث في إنجلترا، واضطر إلى بيع جميع مقتنياته وتذكاراته الرياضية لتسديد ديونه، كما أن بوريس بيكر لاعب التنس الألماني الشهير تراكمت الديون عليه منذ أكتوبر 2015، حتى أعلنت محكمة في لندن في يونيو 2017 إفلاسه بسبب عجزه عن سداد ديونه التي وصلت إلى 6 ملايين يورو.

وأخيرًا، تداولت بعض الصحف خبر اللاعب خالد مسعد أحد أشهر اللاعبين الذين مثلوا منتخب المملكة في جميع الفئات السنية، وأسهم في تحقيق إنجازات عدة؛ منها المشاركة في كأس العالم 1994 بأمريكا وبلوغ دور الـ16، بجانب الوصول إلى نهائيات كأس العالم 1998م في فرنسا.

كما حصل على جائزة أفضل لاعب عربي 1992م، ويعد من أبرز لاعبي خط الوسط في تاريخ الكرة السعودية، وبعد الاعتزال واجه خسائر فادحة أفقدته ثروته الكبيرة التي جمعها خلال مشواره الرياضي.

وختامًا، كان عدم وجود المهنيين والمتخصصين بجانب هؤلاء الرياضيين؛ السبب الحقيقي لهبوط مستواهم الرياضي وتراكم المشاكل المتنوعة وارتفاع نسبة الضغوط بجانب إفلاسهم ماليًّا، ومواجهتهم عددًا من المشاكل الكبيرة خلال فترة شهرتهم أو بعد نهاية مشوارهم الرياضي.

الكلمات المفتاحية