ملحمة التوحيد

الأربعاء - 29 ذو القعدة 1435 - 24 سبتمبر 2014 - 01:53 مساءً
0
1752

ملحمة التوحيد

 

 

في مثل هذا اليوم من كل عام تلبس المملكة أجمل الثياب وتتعطر بالعود ويفرح الكبير والصغير وتنشد أجمل الأهازيج الشعبية وحكايات ابن سعود ودولته الأبية لترويها لنا الجدات بكل فخر واعتزاز قصص حرب وكفاح تضاهي أحداثها وأبطالها قصص ألف ليلة وليلة،
ترقص الرياض على أهازيج وحكايات الحرب والنصر والسلام لآل سعود الكرام.


 
فاليوم الوطني مناسبة لا بد من أن نعرف واجباتنا تجاه وطننا الغالي، وأن نعلم ونذكر أبناءنا بأمجاده وأن الوطن له حق عليهم بالمحافظة على وحدة هذا الوطن، وأن نبذل الغالي من أجل بقائنا والإبقاء على هذا الوطن شامخ.

 


 
لم يكن فجر الخامس من شهر شوال عام 1319هـ يوماً عادياً على نجد وأهلها، بل كانت -ولا تزال- سنة النصر المؤزر، حينما استعاد الموحّد الملك عبد العزيز -رحمه الله- مدينة الرياض، عاصمة المملكة اليوم، لتكون أولى لبنات هذا البناء الذي حقق قفزات تطور هائلة في عمر يعد قصيراً مقارنة بحضارات الدول العريقة. فكتب عن ابن سعود المؤرخون الغرب والعجم والعرب , فالدكتور جون فاينس في كتابه «أقدم أصدقائي العرب» قال: «بدأ عبد العزيز مجازفته في فتح الرياض ومعه رجاله الأبطال ويا لها من مجازفة ويا لها من مفخرة».

 


 
وكتب عنه الكاتب فؤاد حمزة في كتابه «في قلب جزيرة العرب»: «إن قصة حملة فتح الرياض من أروع قصص البطولة وأعظمها شأناً وأجلها قدراً». ويقول حافظ وهبه في كتابه «جزيرة العرب في القرن العشرين»: «إن هذه القصة تشبه قصص أبطال اليونان وترينا عظيم الأخطار التي أحاطت بابن سعود، والذي ارتقى سلم المجد بالاستيلاء على الرياض» ويقول في كتابه «ابن سعود سيد نجد»: «تمكن ابن سعود من استرداد الرياض قلب الإمارة السعودية بطريقة تدل على براعة فائقة وذكاء، كانوا ستين بطلاً، على رأسهم قائد مظفر وبطل مغوار، لم ير التاريخ الحديث له مثيلاً».
إنها ذكرى لملحمة تاريخية، حبرها دماء الفرسان الشجعان الذين نذروا أنفسهم مع المؤسس الملك عبدالعزيز.

 


 
فقد رافق القائد المؤسس أربعون أو ستون فارساً من خيرة آل سعود والموالين لهم فانبرت السيوف المسنونة تسابق الريح وتسبقهم آمالهم لاسترجاع مُلك عبد العزيز وملك أجداده.

 


 
وبحمد الله قيّض الله لهذا القائد الفذ الذي أحب نجد وأحبه أهلها فكانوا الحاضرة وأهل القرى يفضلون عبد العزيز لما فيه من اللين والرحمة والخوف من الله، وكان لهذا النصر المؤزر والمدوي أسباب، فعبد العزيز اتسم منذ صغره بالشجاعة والإصرار، وكانت له أخت السعد وأخت الرجال الأميرة نورة بنت عبد الرحمن تلك النجيبة والفارسة وطاقة عبد العزيز التي تشحنه وتؤيده ليسترجع ملك أجداده، ومن حبه لها وتفاخره بها يقول: «أنا اخو نورة»، ومن حبها لأخيها كانت تقول: «واللي يخلي لي عبدالعزيز».

 


 
لفتت حكمتها وشجاعتها وثقافتها وحسن استقبالها وكرمها أبناء وبنات بلدها، فأثنى الكتاب أقلامهم احتراماً لها لتكتب عنها الكاتبة فيوليت ديكسون التي قابلتها عام 1937 مع بعض نساء الملك عبد العزيز أعجبت بها بصورة خاصة ووصفتها بأنها: «من أكثر النساء اللاتي قابلتهن جاذبية ومرحاً»، وأنها «من أهم الشخصيات في الجزيرة العربية»، أما جون فيلبي فقال عنها: «كانت السيدة الأولى في بلدها» إنها نورة بنت عبد الرحمن بنت الرجال وحكام نجد وأخت الملوك المرأة الاستثناء.

 


 
ففي أحد الأيام دخل الملك عبد العزيز على أخته نورة وهي تأكل تمراً، فناولته حبة تمر وقالت: تمر الأحساء طيب فمتى نستعيد الأحساء وتمورها، فنفض الملك عبد العزيز يده وكأنها بهذه العبارة زادت من حماسته وعزمه على المضي في استرجاع ملك آبائه وأجداده.

 


 
(موقف)


 
وحانت ساعة الصفر وسار عبد العزيز ورجاله لفتح الرياض فجراً:
شيخنا سير بنا لا تونا***من سعى بالحرب حنا ذهابه
حنا هـل العـوجـا نسابق دخنا***فعلنا بيِّن وكل درى به

 


 
التوقيت الفجر: كان عبد العزيز ورجاله يتربصون لابن عجلان وحانت ساعة الهجوم والقائد الملك عبد العزيز عينه على قصر المصمك، إذ كان عامل ابن رشيد عجلان بن محمد بن عجلان خارجاً من قصر المصمك فاستغل خروجه من القصر وضربه عبدالعزيز، ولكنها لم تستقر في مقتل وفرّ ليدخل قصر المصمك وحاول أن يقفل باب القصر (الجوخة) خلفه (سمي قصر المصمك بذلك لأن جدرانه سميكة واسمه المسمك) وكان رجال عبد العزيز يصيحون (أهل العوجاء أهل العوجاء) ووابل الرصاص كالمطر عليهم ولحق بابن عجلان الفارس الأمير عبد الله بن جلوي الذي أبدى بطولة وشجاعة نادرة كما ذكرها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه في روايته عن دخول المصمك، إذ يقول: (ثم دخل عبد الله بن جلوي والنار تنصب عليه)، وأكمل الملك عبد العزيز بعد ذلك في روايته أن عبد الله بن جلوي هو الذي قتل ابن عجلان، حيث يقول: (أما عجلان فذبحه ابن جلوي).

 


 
ذبح عجلان فيها ما تعداها
ما حلا عند باب القصر تسحيبه


ولا تزال شلفا الأمير الفارس فهد بن جلوي ابن عم الملك عبد العزيز وأحد قواد الجيوش وفارسه الشجاع على باب المصمك وهي رمحه الذي حاول أن يقتل به ابن عجلان.


 
ولقب بعدها براعي الشلفا كما قال عنه الشاعر غنيم بن بطاح:
يا موصل شلفاك لحد المسامير
خليت عجلان براسه يلاوي
جيته بشلفا كنها حامي الكير
يعدْ أبو تركي فعولك بلاوي
جيته كما داب الدجاء بالمقاصير
داب بسمه ما تسرْ القراوي
 
وهللت الجموع ولسان حالهم ينشد:
نجد شامت لابو تركي وآخذها شيخنا
واخمرت عشاقها عقب لطم خشومها
وأجهز عبد العزيز وفرسانه على بقية ابن عجلان واستسلم الآخرون، وصاح المنادي: الحكم لله ثم لعبدالعزيز.
وبعد انتهاء معركة القصر، تتبع الملك عبد العزيز فلول العدو الذين كانوا خارج القصر وأجهز عليهم.
خرج الأمير الفارس فهد بن جلوي، على جواده كالريح إلى الرجال، الذين أبقوهم عند الرواحل، وأدخلهم البلدة

 


 
كما قال ابن دحيم:
 
نمشي براي الله ثم براي أبو الجميع
عبد العزيز اللي ملك نجد وحمى جالها
واندفع أهل الرياض إلى مبايعة حاكمهم الجديد، الذي أعاد الحق إلى أصحابه. ولم ينسَ الابن أباه، فأرسل عبد العزيز رفيقه، الأمير ناصر بن سعود، ليبشر الإمام عبدالرحمن، والشيخ مبارك في الكويت بفتح الرياض ويطلب الإمدادات وفي الوقت نفسه حصن الرياض بمساعدة أهلها ببناء سور حصين للعاصمة في 40 يوماً.


 
وأرسل والده الإمام عبد الرحمن والشيخ مبارك الصباح 70 رجلاً وذخيرة تحت قيادة أخيه الأمير سعد بن عبد الرحمن الفيصل.
وبحمد الله قيّض الله النصر لابن سعود وتوالت الانتصارات والفتوحات وتوج سلطاناً ثم ملكاً وقائداً للمسلمين، وقد سار على نهج المؤسس طيب الله ثراه أبناؤه البررة الملوك رحمهم الله (سعود وفيصل وخالد وفهد) وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
حيث كانت ولا تزال مملكتنا في ظلهم بأمان فالعرضة النجدية في اليوم الوطني ليست مجرد رقصات فقط في الأعياد والمناسبات، بل هي فرحة ونشوة ورقصة النصر، حيث يتغنى بها حكامنا، وهي رقصة الحرب التي تزينها قصائد الفخر والقوة والاعتزاز، والعرضه النجدية أو رقصة السيف لآل سعود.

 


ومن أكثر قصائد الفخر والنصر انتشاراً للشاعر عبد الرحمن الصفيان رحمه الله
 


نحمد الله جت على ما تمنى
من ولي العرش جزل الوهايب
خبِّر اللي طامع في وطنَّا
دونها نثني ليا جا الطلايب
وقصيدة الشاعر عبد الرحمن الحوطي:
دار ياللي سعدها تو ماجاها
عقب ما هي ذليلة جالها هيبة
جو هل الدين والتوحيد وحماها
واذهب الله هل الباطل واصاحيبه

 


هذه هي مناسبة الاحتفال باليوم الوطني وأهازيجنا الملحمية، يوم النصر الكبير وفتح الرياض والذي توالت بعده الفتوحات لتصبح كل أقاليم الجزيرة تحت راية المؤسس الملك عبد العزيز.


 
قصة كفاح وصبر ومجد تكللت بالنصر والاستقرار والرخاء.

 


 
وختاماً أتمنى من الله أن يحفظ هذا البلد ويحفظ ملكنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خير خلف لخير سلف وأن يحفظ الأسرة المالكة والشعب السعودي الوفي الذي أثبت نُبله بالتفافه حول قيادته وضرب أروع مثالاً للولاء والوفاء، فالشعب هو القاعدة التي يقوم عليها استقرار الدول، ونحمد الله على نعمة الأمن والسلام.

 

 

 

الكاتبة
ريما الرويسان
 

التعليقات

أرسل

تم استلام تعليقك، نشكر لك مساهمتك، سيتم نشر التعليق بأقرب وقت ممكن
ساهم بإضافة تعليق جديد
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة عاجل الإلكترونية 2007-2018 ©

تطبيق عاجل