Menu
منيرة عبدالسلام

اجعل نظرك فوق

الأربعاء - 12 محرّم 1441 - 11 سبتمبر 2019 - 12:05 م

اجعل نظرك دائمًا فوق.. أن ترى فوق خير لك من أن ترى تحت.. خير من أن ترى الأرض والدمار.. نظرك اجعله دائمًا نحو العُلا.. نحو النجاح ولو حاولوا إحباطك.

العلاقة الجميلة التي بُنيت بين الطالب والمدير -والتي بقي نظري عليها إلى اليوم وسأقولها الآن- مسيطرة في عقلي ولم تغب عني يومًا واحدًا؛ فقد انتقل طالب جديد لدينا منذ كنت في المدرسة، وكان تفكيره جيدًا، ولكنه يواجه صعوبات مادية وأسرية كثيرة في أهل بيته، لكن هذا لم يؤثر فيه إلا في المدرسة؛ حيث كان العدوان دائمًا، وكان الناس يبتعدون عنه دائمًا، لكنه كان ينظر فوقَ.. لا أعلم لماذا كنت أراقبه ولماذا كنت أتتبع خطواته، ولكنَّ فيه شيئًا عرفته عنه: كان موهوبًا بقوة في مادة الموسيقى.. لديه صوت رنان.

ذهب يومًا ما إلى مسرح المدرسة، وكانت عيناي تجريان معه خلسةً، وسمعت صوته ولم يفارقني، لكن لماذا يبتعد عنه الناس ما دام موهوبًا ولديه شيء ثمين؟! يومًا ما اكتشفته مديرة المدرسة وأرسلته إلى دار أوبرا كي يتعلم ويتقن فن الموسيقى، وذهب لكن رفضوه فخرج وكانت عيناه تنظر إلى السماء وكان يقول لوالده الذي انفصل عن والدته من سنوات ولكن المدرسة أجبرت أباه أن يأتي ليأخذه؛ لأنه هو الملزم به.. كان يقول له: «السماء صافية يا أبي، ويومًا سأكون هناك كمثل النجوم ومثل الغيوم». لم يفهم أبوه كلماته وقال له: «سأوصلك».

في اليوم التالي دخل تلك المدرسة التي رفضته ولا أعلم ماذا حصل ولكنه دخل وبعد دخوله لم يعلم القواعد، وكان المدرسون يحارون إذ يشاهدونه ينظر فوقَ كل وقته.. إذا جلس وحيدًا يعلق ناظريه فوق.. لماذا؟ لا يعلمون، وواصل ولكن مدير مدرسة الموسيقى التي ذهب إليها لا يريده.. لا يريد أن يسمع عنه شيئًا، وهو يكرهه جدًّا؛ لأن أباه أجبرهم على أن يدخلوه وأتى عليه مقبلًا بكلمات نابية بكلمات سخرية.

لكن هذا الطالب أنصت إلى مديره وهو يلقي عليه كلمات السخرية بأنك لا تعلم عن الموسيقى شيئًا، وكيف ستواصل؟ وأنني قبلتك من باب الشفقة، وأقوال من هذا القبيل، وهو صامد رغم المدير والأساتذة، وانتقل ما كان يواجهه في أسرته إلى محيطه، فظل ينظر إلى فوق دائمًا، ورغم محاولات المدير لزعزعته، ظل يصر على أنه سيكون في المرتبة الأولى، ولا يهمه كلام فلان أو فلان، حتى تبدَّل حاله واعتاد أن يكون الأول ومميزًا، وتبدلت مكانته في مدرسته إلى الأول؛ لشدة ذكائه وإصراره، وقد منَّ الله عليه ولبس تلك بدلة الأوبرا الأنيقة، ووقف في دار الأوبرا هو المغني الأساسي، يعرض خامات صوته الرنانة، وكنت من الحضور، ورأيت المدير الذي كان يذمه يصفق اليوم له بين الحضور ويشجعه كي يواصل، وكان يغني وينظر فوق، وسينظر فوق دائمًا، ولم ينكسر له ضلع، وسيكون في المقدمة دائمًا.

الكلمات المفتاحية