alexametrics
Menu
عبد الله العرفج
عبد الله العرفج

صدمة الحرية

الجمعة - 7 شوّال 1428 - 19 أكتوبر 2007 - 07:36 م
http://www.burnews.com/u/upload/wh_18236288.jpg صدمة الحرية عندما يحبس كائن عضوي في غرفة مظلمة لمدة طويلة ، ثم يعرض فجأة لحزمة مكثفة من الضوء ، فسينبهر ، ويرتبك، ويجد صعوبة في رؤية طريقه؛ قد يقف مكانه ليأتي من يأخذ بيده ويدله الطريق ، أو يتخبط وتأخذه الشعاب في منعرجاتها ولربما سقط في حفرة ، وفي أحسن الأحوال قد يجد طريقه ولكنه يصل متأخراً . هذه الحالة الفيزيقية تنطبق تماما على المجتمعات عندما تتعرض لموجة مفاجئة من التغيرات تجعلها تنفتح على المجتمعات الأخرى بثقافاتها المغايرة ، فتدفع ثمنا غالياً لذلك التغير المفاجئ ويكون الجيل الصاعد من الشباب هو الضحية لأنه لم يتربى على الحرية ومناخاتها ومعايشة التعدد ومقاربة الرؤى الأخرى مثله مثل والديه ولكنه يختلف عنهما بأنه عاطفي اندفاعي ومرن في تقبله للجديد . وفي الواقع فإن المجتمع السعودي لم يكن راغبا في الانفتاح على العالم بهذا الشكل الذي بدأ كاسحا ومزلزلا منذ بداية التسعينات مع دخول الفضائيات والانترنت وهي التي لم يكن له خيار فيها حيث دخلت عنوة من خلال آليات العولمة خاصة البث الفضائي الذي لم تكن أي من قوى المجتمع تحبذه سواء القوى الدينية أو السياسية بل أن المجتمع كله كان يخشاه لأنه سيفتح أبوابا موصدة على أمور مسكوت عنها ويشعل أسئلة ماتت تحت الرماد .أما وقد حل البلاء وأصبح البث الفضائي أمراً واقعا فقد قبلت تلك القوى على مضض بالأمر الواقع وتعاملت معه بما يخدم مصالحها من وجهة نظرها. على أن أكبر شريحة تعرضت لويلات البث الفضائي هي فئة الشباب وربما كانت ضحية له ليس لأنها الأكثر مشاهدة والأكثر قابلية لتقبل الرسائل الإعلامية المثيرة والجذابة لمحطات البث الفضائي فقط ، وإنما لأنها مازالت في طور بناء رؤيتها للحياة والكون . هذا لا يعني أن الشرائح الأخرى كانت بمفازة من تلك الرسائل ولم تتعرض لضغوط وويلات الأجواء الجديدة بل يمكن القول أنه حتى تلك الفئات الأكثر يقيناً تعرضت لهزات عنيفة بفعل مناخ الحرية الطارئ. وعلى هذا فكثير من الشباب يشكو من الحيرة والضياع عندما يشاهد برنامجا حواريا في أحد القنوات الفضائية حيث تتجاذبه أو تتقاذفه أطراف الحوار فهو تارة مع هذا الطرف وتارة مع ذلك الطرف مقتنعا بوجهة نظر كل منهما ، كل منهم يأخذه معه أينما توجه فتارة يرى الحق مع هذا الطرف وتارة مع الطرف الآخر لأن كل منهما صاحب حجة ويطرح رأيه بطريقة مقنعة ظاهريا، وصاحبنا لا يملك الأدوات التي تمكنه من الفرز والربط بين المعطيات للخروج برأي مستقل. لقد تعود الفرد في هذا المجتمع أن يتلقى خطاباً أحادياً غير قابل للتعدد وغير قابل للمناقشة والأخذ والعطاء ؛ خطاباً أبوياً يقينياً ما عليه سوى استقباله واجتراره على دفعات منذ نعومة الأظفار وحتى سني الكهولة ؛ في البيت والمدرسة ومؤسسات المجتمع الأخرى، هذا الخطاب الأبوي ذو طبيعة سلطوية قمعية لا يسمع ولا يسمح ولا يتسامح مع الصوت الآخر بحيث اقتنع كثير من الناس بأن الحقيقة دائما هي ما يأتي به ذلك الخطاب وأن ماعداه زائف ومن ثم ممقوت. لاشك أن هذا الأسلوب التلقيني مريح جداً ويمنح الفرد والمجتمع طمأنينة ورضا ولكنها زائفة سرعان ما ينكشف زيفها مع أول ريح خارجية تهب على المجتمع .إن التحول من التجانس إلى اللاتجانس والانفتاح على وجهات النظر المختلفة يجعل مثل هؤلاء الأفراد عاجزين عن رؤية الطريق الصحيح وسط متاهة من الطرق الملتوية الغير مألوفة. ولا عجب أن تجد متعلما حاصلا على أعلى الشهادات ولكنه يشكو من عدم المعرفة والضياع وفقدان الاتجاه بل أن من المتدينين الذين يمتلكون ثقافة ومعرفة دينية عالية من أصبح كالريشة في مهب الريح لا يستقر له قرار وتأخذه وتجيبه الأفكار ووجهات النظر المتباينة. إن التعرض المفاجئ لرياح التغيير والأفكار المغايرة ينتج عنه ما يمكن تسميته بصدمة الحرية؛ فقدان الاتجاه، فقدان البوصلة..حالة من عدم التوازن تصيب الفرد والمجتمع وتشل حركته وتجعله غير قادر على رؤية الأشياء كما هي ، وهي حالة مرضية تستدعي علاجاً عاجلاً وآجلاً يتعلق بالإنسان وتنشئته ليس لكي يتعامل مع مجتمع مغلق لم يعد موجوداً وإنما مع مجتمعٍ مفتوحٍ وهذا يتطلب عقلية منفتحة متفاعلة تخضع كل الأشياء للعقل والتجربة عدا الأمور الغيبية التي تكفل بها النص الديني وأعطانا إجابات شافية عنها. إذا نحن بحاجة لتكوين عقل نقدي مستقل بدلا من العقل الإمّعي التابع وهذي مهمة تربوية بنائية صعبة تحتاج إلى عقول مؤمنة بالله ثم بضرورة التغيير الايجابي وبالتالي تضع خطوات حقيقية وعملية لتطوير النظام التربوي التعليمي بما يتناسب مع عصر المعلوماتية . وهنا يحق لنا أن نتساءل : هل تستطيع النخب التربوية القائمة أن تتجاوز واقعها والبيئة التي أنتجتها وتضع برامج مغايرة ؟ وهل تقبل قوى المحافظة في المجتمع بخطوات مثل هذه ؟ وسواء كانت الإجابة على تلك الأسئلة وما شابهها بالإيجاب أو النفي فإن تجاوز صدمة الحرية مرهون في جزء منه ببناء العقلية النقدية الواعية والمسئولة. والله الهادي إلى سواء السبيل عبدالله العرفج ______________________________ تعليقات الزوار عمربن عبدالله بن عمر ال سليم مقال واقعي واكثرمن واقعي كلنا نعاني منه صدمات الحضارات والفضائيات وتغيرالقيم والأخلاق والأفاق و.... الخ . شكرلك اخي الكريم . على مقالك الرائع جدا .. اكثرمن يعاني هم المصدومون في القرى والبيئات المغلقة .. اخوك ابومحمد خلف وقيت بمنتهى الروعة وبتحليل يدل على مقدرة في امتلاك الشارد والتعامل معه بصورة تحليلية فيها من الرصد والتطلع مايشي بأن العرفج نبات تحتاجه صحراؤنا القاحلة .. أتمنى من القائمين على الصحيفة إبراز المقال فمن حق كل قارئ آن يطلع عليه ابو هشام اليحيوي أعتقد أن المشكلة لم تبدأ من هنا . بدليل أن الشخصية السعودية التي تنبهر بالآخر ( إبتداءً ) موجودة قبل فترة التسعينات . الإعجاب والتقافز من رأي لآخر ليس مختصاً بالهوية السعودية التي وصفتها بالمصدومة . بل إني أرى العكس تماماً من حيث تأثر الآخرين بأبواق دولهم حتى ولو كان النظام يمارس النقيض فيما يطرح . لكن المشكلة باعتقادي هو غفلتنا طوال سنوات تأسيس الجيل الذي دخل المراحل التعليمية من بناء ثقته بنفسه واعتزازه بشخصيته وهويته الوطنية . أعرف أن الإنبهار ( المؤقت ) أمر طبيعي بمقابلة الجديد . ولذلك فالحديث عن البيئة المنغلقة يصلح شرط أن يكون وقتياً وليس سمة طبعت السعوديين كل هذه الفترة محمد بن عبدالرحمن تحية إعجاب بأخي وصديقي أبي محمد ، فمنذ صدمة المري وأنت تكتب بالصدمات ، أتمنى أن نتقي الصدمات ، ,ان تكون كتاباتك دليل توقي ، وفقك الله وسدد خطاك0 فهد يوسف لقد أعجبني المقال , لقد شخّص الواقع بدقة ... متابعين بشغف
الكلمات المفتاحية