Menu


تركي بن إبراهيم القهيدان
تركي بن إبراهيم القهيدان

هل ماحدث في جدة سيحدث في بُرَيْدَة

الثلاثاء - 28 ذو الحجة 1430 - 15 ديسمبر 2009 - 02:03 ص
هل ماحدث في جدة سيحدث في بُرَيْدَة قرأتُ مانشر في صحيفتكم حول فاجعة جدة وتناولكم للأسباب التي أدت إلى الكارثة.. وعندما شاهدتُ ماحدث في جدة، وما حدث في دولة عمان التي تضررت من الإعصار، دار في ذهني هذا السؤال: هل ماحدث في تلك المناطق سيحدث في بقية مدن المملكة عند هطول أمطار غزيرة؟ ففي بلادنا العديد من المدن البعض من مساكنها مبنية في مجاري الأودية، ومن أمثلة ذلك: مَدِيْنَة الْعُلاَ. في وَادِي القُرَى، وحفر الباطن في وَادِي الباطن.. ثم هل طمر الأودية وتسويتها حل مناسب لإقامة المخططات السكنية ؟ سؤال يحتاج إلى إجابة؟! وهنا سنتحدث بشيء من التفصيل من مدينة كاتب هذه الأسطر كنموذج لمعظم مدن المملكة. تعتبر مدينة بُرَيْدَة من أهم المدن في المملكة، وثاني مدينة في منطقة نجد بعد مدينة الرياض، ومن يتمعن في تخطيط بُرَيْدَة من حيث اختيار بعض مواقع المنشآت وتوزيع الأحياء؛ فإنه سيتبين له جلياً أنها منتشرة بشكل عشوائي، ولاتخضع للمستوى العلمي، من حيث سطح الأرض. إذ لم يؤخذ فيه الجانب الجغرافي. ولم تراع فيه مجاري الأودية والشعاب والتضاريس المنخفضة.. وغيرها من المخاطر بعيدة المدى. ومن أمثلة ذلك: اختيار موقع مستشفى الملك فهد التخصصي، وحي المطار القديم في أماكن منخفضة. واختيار شركة الكهرباء في منطقة منخفضة بجوار وَادِي الرُّمَة، أيضاً اختيار مكان مصفاة بترومين بجوار مطار القَصِيْم، ولايخفى على أحد خطورة ذلك عند حدوث كارثة سقوط طائرة عند الهبوط أو الإقلاع.. ومما زاد الطين بلة اختيار جامعة القَصِيْم بجوار المصفاة. وحتى الآثار لم تسلم من عشوائية اختيار الأمكنة إذ تم اختيار مصب الصرف الصحي بجوار منشآت البُرَيْكَة (العَوْسَجة) الآثارية؛ وهي محطة من محطات الحج البصري تقع شمال الرُّبَيْعِيَّة ويزيد عمرها الزمني عن 1200سنة، ومن المؤسف أن الدول المتقدمة تنقب عن آثارها بالفرشاة بينما نحن نضع عليها مصب الصرف الصحي! وعلى كل حال هناك الكثير من الأماكن التي لم يجر فيها دراسة أو أي تخطيط، ويستطيع أي طالب في الهندسة أو جغرافي مبتدئ أن يثبت أن اختيار تلك الأماكن التي أنشئت عليها تلك المنشآت قرار غير صائب. لكن السؤال هنا: ماهو المبرر الذي يجعلنا نختار هكذا أماكن سيما وأن مساحات من الصحراء تحيط بنا من كل جانب؟ الأودية في بُرَيْدَة: لايخفى على الجميع خطورة السماح للمخططات السكنية في ببطون الأودية وعلى ضفافها وما يعرض ساكنيها للهلاك. ويسَّيْل في بُرَيْدَة وَادِيان. الأول: وَادِي الْفَاجْرة: ويأتي سَّيْله من الشمال باتجاه الجنوب ماراً بحي الصفراء ثم دوار المعهد الزراعي سابقاً، ثم شارع الأربعين، وعندما يصب في جفر الحمد (مكان بلدية بريدة في الوقت الحالي) يتفرع إلى فرعين أحدهما غربي ـ محاذياً لنفود الشماس إلى الغرب من شارع الصناعة على بعد 80م. أو نحوها. ويمر بحي الشماس ثم يصب في العجيبة. ويذكر كبار السن أن هجرة سكان الْعَابْسِيّة (خَبّ الْقوَيْع التَّحتي) كانت بسبب هذا الوَادِي؛ وذلك بعد أن قام أحد أمراء بُرَيْدَة ببناء سَدّاً في مجراه بهدف جلب السيول نحو مزرعته في شمال الشماس، لكن المياه غيرت مجراها نحو الْعَابْسِيّة فهدم مساكنها. أما الفرع الثاني فهو شرقي ومجراه في شارع الخُبَيْب (يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسم: طريق الملك عبدالعزيز) ويصب في السَّادَّة، وقد سُمِّيَت بهذا الاسم؛ لأنها تسدّ مجرى وَادِي الْفَاجْرة بعد أن يعبر شارع الخُبَيْب، أيضاً يذكر كبار السن أن سبب تسْمِّيَة الْفَاجْرة بهذا الاسم لأنه استطاع أن يفجر رمال السَّادَّة. لكن بعد أن قام الأهالي بجلب الطين من منطقة جفر الحمد لبناء المساكن؛ تكونت منخفضات، وبالتالي أصبح نهاية هذا الوادي فيها منذ قرابة نصف قرن. أو يزيد. وأما الوَادِي الثاني فهو: \"وَادِي الْوِدَيْ\": ويأتي سَّيْله من الشمال (بميل نحو الغرب) باتجاه الجنوب (بميل نحو الشرق). ويبدأ من \"الْبُطَيْن\". ثم ينحدر باتجاه بُرَيْدَة ماراً بعمائر الراجحي، وإمارة القَصِيْم، ومستشفى الملك فهد التخصصي، ثم التغيرة ثم \"النَّقَعْ\" وأخيراً يَصُب في خب العكْرش. وقد أكد العبودي أن هذا الوَادِي يطلق عليه اسم: \"الْبَطْن\". فقال: والوادي هذا. واسمه القديم \"وادي البطن\" هذا مما لاشك فيه وسُمِّيَ بهذا الاسم لأنه يأتي من يأْتي من \"الْبُطَيْن\" الذي كان يُسَمَّى قديماً الْبَطْن.( ) واستدل على ذلك في موضع آخر بشعرٍ نقلاً عن ابن الأثير منه قول الشاعر شِرْحاف: تركنا بالنَّقيعة آل عَبْسٍ ... شُعَاعاً يُقْتَلون بكلّ وادِ إلى أن قال: تركتُهُمُ بوَادِي البطْن رَهْناً ... لِسيدان القرارة والجِلاَدِ( ) والنقيعة في الزمن القديم كما يذكرها العبودي في مُعْجَمه: هي \"النَّقَعْ\" في الوقت الحالي.( ) قلتُ: يبدو أن هناك علاقة بين مسمى وَادِي الباطن (الرُّمَة) والْبُطَيْن. إذ ليس لديَّ أدنى شك في أن \"وَادِي الْوِدَيْ\" كان من روافد وَادِي الرُّمَة خلال العصور المطيرة. لكن زحف الرمال (نفود بُرَيْدَة) حال بين الوَادِيين. لمحة تاريخية: سال \"وَادِي الْوِدَيْ\" ووَادِي الْفَاجْرة خلال القرنين الماضيين عدة مرات منها: عام 1296هـ (تقريباً)، وفي عام 1316هـ وفي عام 1341هـ (سنة الغرقة). وفي عام 1376هـ (سـنة الهدام). وفي عام 1388هـ كادت سيول وَادِي الْفَاجْرة أن تفيض من منطقة جفر الحمد نحو مجرى الوادي القديم. لكن حال دون ذلك مصدرات ترابية وضعتها البلدية لحماية المساكن المبينة في مجراه من الغرق. فقد كان جريانه بلا شك عندي يشكل خطورة على المدينة، ومما يؤكد ذلك ما يذكره بعض كبار السن بالمنطقة أنه عندما سال وَادِي الْفَاجْرة في عام 1341هـ وسلك فيها طريقه القديم عبر شعبته الغربية الذي يحاذي نفود الشماس، أثار مقابر قديمة حتى وصل إلى قرب العجيبة عند ملك العبودي، وقد ذكر العبودي أن والده رحمه الله قال: شاهدنا كثيراً من المقابر إلى الشرق من جهة مسيل الوادي هذا وقد أثارها السيل، ويدل منظرها على أنها مقابر قديمة مما يرجح أن هذه المنطقة كانت قد شهدت عمراناً قديما بل كان فيها بلدة لا نعرف عنها شيئاً.( ) أيضاً أكد الشيخ ابن عبيد خطورة الأمطار في حوادث سـنة (الهدام) 1376هـ بقوله: تقدر البيوت التي سقطت من هذه السيول في العاصمة بريد ة نفسها بثلاثة آلاف بيت.. ويضيف في موقع آخر: كما أن وادي الفاجرة الذي كان مجراه في قلب الخبيب جرى ومنع الداخلات والخارجات من السيارات.( ) لكن العبودي يذكر أنه: أصبح سيله يصب في الجفر ولايتعداها.. وآخر مرة سال فيها وادي الفاجرة إلى الخبيب كانت عام 1361هـ فهدم بيوتاً وحمل أبوابها وأخشابها مع أخشاب أخرى جنوباً إلى السادَّة. قُلْتُ: أذكر عندما تهطل الأمطار ونحن صبية بأننا نعبر بحيرة في وادي الْفَاجْرة ـ شارع الخُبَيْب ـ من ضفته الشرقية إلى ضفته الغربية فوق باب من الخشب. أما المطار القديم وحي \"النَّقَعْ\" فيصعب المرور بهما، وأقرب ماتكون مستنقع من الطين. والسؤال هنا: هل التخطيط الحديث لأحياء بُرَيْدَة تم وفق طرق علمية؟ وهل تم مراعاة الجانب الجيومورفولوجي والجيولوجي؟ ليس لدي أدنى شك فيمن قال بأن الأحياء الحديثة حالياً خالية من المشاكل بأنه واهم. ولَعَلَّ ما حدث خلال السنوات الماضية من مشاكل لبعض الأحياء في بُرَيْدَة خصوصاً حي الإسكان ومستشفي الملك فهد التخصصي.. تؤكد وجود مشكلة لابد من إيجاد الحلول لها عبر دراسات دقيقة من قبل المختصين. الدراسات السابقة: هذه المشكلة سبق وأن طرحتُها خلال مشاركتي بورقة عمل في المؤتمر الدولي «التنمية وتأثيرها في البيئة» . إذ نبهتُ عن خطورة تصريف مياه الأمطار بحي الإسكان بما نصه: يعتبر حي الإسكان من الأحياء الجديدة وتصميمه وفق طرق حديثة. يعاب على هذا الإنجاز الكبير الذي يعبر عن التطور الذي تشهده البلاد وجود هذه البحيرة انظر صورة رقم (12) وهذا رابط الصورة: http://img46.imageshack.us/img46/9827/13314119.jpg http://yfrog.com/1a13314119j وهي منطقة تجمع مياه تصريف السيول بهذا الحي وتعتبر هذه الطريقة بدائية لما تسببه من أمراض وتكاثر للبعوض يضاف إلى ذلك ما يعانيه بعض سكان المنازل في المناطق المنخفضة من خروج المياه إلى مناطقهم بعد امتلاء هذه البحيرة عند هطول الأمطار في فصل الشتاء وأكثر المنازل المتضررة من ذلك التي تحمل أرقام تزيد عن 400 في حي 6 قرب البحيرة. الحل: ربط هذه البحيرة بشبكة تصريف السيول ، والاستفادة من هذه المياه في الري. (هذا ما نبهت عنه بنصه في بحثي ص21). ثم ذكرتُ ما حدث بعد تقديم هذا البحث في كتابي الموسوم: (ملوثات البيئة في مدينة بُرَيْدَة - المشكلة والعلاج) الصادر في عام 1418هـ. مايلي: أزف للمعنيين الصورة التالية في يوم الأحد الموافق 9/7/1418هـ فهي معبرة عن الكلام، علماً أنني قد ذكرت ونبهت في بحثي تضرر سكان تلك المنازل على أمل أن لا تتكرر المأساة وهذا رابط الصورة: http://img191.imageshack.us/img191/7900/40467816.jpg http://yfrog.com/5b40467816j لذا آمل أن تتم دراسة جميع البحوث المقدمة بكل عناية ودقة من المعنيين وأن لا تذهب أعمال وجهد الباحثين والأموال المنفقة أدراج الرياح ولو أخذ بعين الاعتبار بما ذكر لما تكررت المأساة بحي الإسكان. (انتهى ماذكرتُه ص 34 ، في عام 1418هـ.) ثم تكررت هذه المشكلة في وقت قريب. تصور الباحث: يتضح من خلال ماذكرتُ آنفاً أن جل مجرى الواديين تحول إلى مساكن ومنشآت حكومية ومحلات تجارية.. لذا من الصعوبة أن يجري الوَادِي بنفس مجراه السابق في المدن دون أي تغيير؛ فمن المعلوم أن تضاريس سطح الأرض في المدن تتغير بسبب التغييرات التي تحدث من شق طرق ومخططات طمرت مجاري الأودية.. وبالتالي تشق جوانب من الأودية مجاري جديدة، لكنها باتجاه انحدار سطح الأرض العام. ومن المحتمل أن يعيد التاريخ نفسه والعلم عند الله I . فتشهد المنطقة هطول أمطار غزيرة خلال فترات متباعدة ـ مابين عقدين إلى بضعة عقود ـ ويعتقد الباحث عند ذلك أن يسَّيْل: وَادِي الْفَاجْرة، و\"وَادِي الْوِدَيْ\" في بُرَيْدَة. لكن سيكون جريانهما في البداية مع روافدهما متقطعة؛ أي تجري في أحواض جديدة مغلقة على شكل عدة شعاب صغيرة ينتهي كل واحد منها في بحيرة، ومن أمثلة ذلك بحيرة حي الإسكان، ومستشفى الملك فهد التخصصي (أكد بعض الباحثين المتأخرين في وسائل الإعلام أن هذا المستشفى في مجرى وَادِي الْفَاجْرة! وهذا خطأ وليس لدي أدنى شك في ذلك، والصواب أنه \"وَادِي الْوِدَيْ\")، والتغيرة (سُمِّيَت بهذا الاسم لأنها كالحلق تستقبل السيول ثم تتغرها أي تقذف بها إلى \"النَّقَعْ\") ومع تزايد هطول الأمطار وحدوث جريان سطحي عظيم يساعده في ذلك تحول معظم أجزاء حوض الوادي وروافده إلى طبقات غير مسامية كالطرق المزفتة والمرصوفة والمنازل السكنية.. تتجمع السيول في البحيرات حتى يزداد منسوبها فتفيض ثم تشق طريقها نحو الحوض المجاور حتى يزداد منسوبها فتفيض على جارتها.. وهكذا وبعد أن ترتبط البحيرات بعضها مع بعض عبر كل جانب من الوَادِي المتقطع في طريقه الرئيس يكون الوَادِي بذلك قد قارب على شق نفس مجراه القديم حتى ينتهي في بحيرة كبيرة مشكلة خطورة على المناطق السكنية في بطون الأودية وفي مصباتها كحي المطار والسَّادَّة و\"النَّقَعْ\" (سُمِّيَت بهذا الاسم لأن تربتها طينية وإذا صبت فيها مياه سيول \"وَادِي الْوِدَيْ\" تتجمع بها مدة طويلة). والعامة تقول: وَادِي سال لابد ما انه يسَّيْل. وأقول: خلال دراساتي الميدانية تبين لي أن الأودية عند هطول أمطار غزيرة لا تغير مجاريها إلا في حالات نادرة. والرَّسُول e نهى عن السكن أو النوم في مجاري السيول أو الوديان. وحتى لانبالغ في الصورة أود التنبيه إلى أن الأودية في المناطق الرسوبية المستوية السطح لاتكون بقوة وسرعة الأودية القادمة من الجبال ذات الصخور النارية كما حدث في مدينة جدة. الحلول المقترحة المؤقتة لجميع المدن بالمملكة: 1. أخذ الحيطة بتنبيه المواطنين عبر وسائل الإعلام بالطرق الواجب اتباعها عند حدوث مثل هذه الكوارث. 2. توزيع مجموعة من الكتيبات والنشرات التوعوية التي تتحدث عن مخاطر السيول. 3. بلادنا مليئة بالكوادر المتقنة لفن تخطيط المدن. لذا نقترح الاستفادة من تلك العقول باستقطابها وتهيئة سبل العمل لها. 4. تشكيل لجنة لإيجاد الحلول المؤقتة التي تحد من أخطار السيول في أسرع وقت ممكن. 5. إنشاء إدارة متخصصة في هذا المجال. 6. الرجوع إلى المختصين عند اعتماد المخططات من قبل البلديات. 7. عند هطول أمطار غزيرة ـ خصوصاً في المدن المعرضة لخطر الأودية ـ يجب رصد منابع الأودية أثناء جريانها باستخدام الأجهزة الحديثة ومن ثم تنبيه المواطنين قبل وصولها إلى المساكن عبر مكبرات الصوت. أيضاً بنفس اللحظة يباشر الدفاع المدني عمله بسرب من الطائرات العمودية على امتداد الوادي يقوده كوادر مدربة لهكذا عمل، لإنقاذ مايمكن إنقاذه. الحلول المقترحة الدائمة لجميع المدن بالمملكة: 1. تجهيز شبكة تصريف السيول لمثل هذه الكوارث لاقدر الله. 2. الاستفادة من تجارب المدن العالمية. والداخلية كالجبيل وينبع وأرامكو.. 3. الأودية المدفونة تشكل خطراً على ساكنيها. لذا يقترح تشكيل لجنة لفتح مجاريها أو نزع ملكيتها. ونظراً لتوقع بعض المختصين هطول أمطار بكميات كبيرة على منطقة نجد بمشيئة الله تعالى. لذا أنبه المعنيين والمواطنين إلى أخذ الحيطة والحذر. هذا ماعَنَّ لي قوله. والمِنْةُ مَنْ مَنَّ الله عليه بالإيمان. تركي بن إبراهيم القهيدان. باحث في الآثار والجغرافيا. Guhaidan@hotmail.com
الكلمات المفتاحية