Menu
يحيى القُبعة
يحيى القُبعة

ورقة «هونج كونج».. وكلمة الإعلام الأمريكي!

السبت - 3 ربيع الآخر 1441 - 30 نوفمبر 2019 - 02:19 ص

ظل الإعلام الأمريكي بمختلف وسائله وسياقاته الوطنية، وتحديدًا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لاعبًا مهمًا في خدمة السياسة الأمريكية تجاه القضايا الدولية؛ حيث ينبع هذا الناتج من استشعار قوة السلاح الناعم في إمكانية التأثير على الرأي الفكري، وصنع المزاج العام داخليًا وعالميًا، وذلك من خلال التعاطي مع الملفات المختلفة براجماتيًا، وبما يتوافق مع الاتجاه القومي.

وبالنظر لإحدى الحالات، التي نعايشها هذه الفترة وتفسير ظهورها قبل تناولها من منظور إعلامي، هي مظاهرات هونج كونج التي جاءت عقب إعلان حكومتها نيّتها طرح مشروع قانون تسليم المجرمين الفَارِّين إلى السّلطات الصينية المركزية. ورغم سحب المشروع، إلا أن المتظاهرين واصلوا التصعيد لتشمل مطالبات أخرى تتعلق بنظام الحكم؛ حيث تخشى الصين أن يكون ذلك مهددًا لوحدة أراضيها وسلامة أمنها، وذلك باعتبار أن هونج كونج تُعد إحدى المناطق الإدارية التابعة للصين، التي تتمتع بنظام مستقل عدا الأمور المتعلقة بالمجالين الدبلوماسي والعسكري.

وكأبجدية سياسية، استغل الأمريكان هذا الملف وبدأوا في التلويح بالورقة، والتغني باسم الدفاع عن الحرية والديمقراطية؛ للضغط على الصين، خاصة عقب توقيع الرئيس ترامب بالأمس، تشريعًا من مجلس النواب لدعم متظاهري هونج كونج، ويأتي هذا كعادة أي دولة تلجأ لمثل هذه القواعد من اللعبة في المشهد السياسي؛ ابتغاء لفرض الوجود المهيمن والظهور بشكل أقوى على طاولة المفاوضات، والذي بطبيعة الحال سيُلقي بظلاله إيجابًا على سيرها ونتائجها.

وكانت الحرب التجارية بين الصين وأمريكا- اللتين تمثلان أكبر اقتصادين على مستوى العالم- هي بداية مسلسل التوتر والشرارة الأولى لانعكاس العلاقة على المجال السياسي؛ باعتبار أن السياسة كذلك ما هي إلا الوجه الآخر من العملة للاقتصاد. إن هذه التناغمية في المجالين كتوأم لا يمكن مطلقًا الفصل بينهما، خاصة في ظل طبيعة العصر الحالي، الذي يتميز بتعقيدات التشابك أكثر من أن أي وقت مضى. كانت أحد أهداف ترامب؛ منذ توليه الرئاسة، هي إعادة التموضع بالنسبة لمكانة الاقتصاد الأمريكي؛ حيث بدأ في مسلسل اللجوء لزيادة رسوم التعريفات الجمركية من واردات الصين؛ بغيّة التأثير على اقتصادهم بزعم أن الصينيين لم يلتزموا باتفاقيات التجارة، في حين أن الجانب الصيني يعتقد أن أمريكا بهذا التصرف، تحاول فقط كبح نهوضهم. ورغم أن الصين ردت بذات الفعل نفسه، إلا أن هناك محاولات جارية للتوصل لاتفاق تجاري مرضٍ للطرفين. على أية حال، يبدو أن الرئيسين في حاجة لهذا الاتفاق؛ للسعي في تحقيق انتصار شخصي ينقذهما من وطأة الأحداث الجارية، سواء فيما يتعلق بهونج كونج ومظاهراتها والخروج من هذا المأزق من الجانب الصيني، أو النجاة من تداعيات العزل والاستعداد للترشح لفترة رئاسية ثانية من الجانب الأمريكي.

وبالعودة للفكرة الرئيسية، وهي كيفية تعاطي الإعلام الأمريكي مع هذ الملف تحديدًا، ومقارنته بأحداث مشابهة على الصعيد الدولي يظهر الفارق جليًا، فمن خلال التتبع لعددٍ من مصادر الإعلام الأمريكية السائدة، والبحث عن مظاهرات أخرى؛ كالتي تجري في إيران والعراق وغيرهما حاليًا، وجدت أنها لم تنل نصيبها من الحضور على منصاتهم تمامًا، كما هو الحال في قضية هونج كونج؛ حيث كانت هذه القضية ذات حضور طاغٍ؛ حتى فيما يتعلق بطبيعة تصويرها، الذي يتواءم مع فكرة السياسة الأمريكية. نستطيع القول إن نظريتي ترتيب الأولويات والتأطير اللتين تحظيان باهتمام من قبل المهتمين في علم الاتصال، كانتا ظاهرتين بشكل واضح في كل الفنون الصحفية المختلفة، التي ناقشت هذه القضية؛ حيث كانت تلك المصادر تنتزع نفس نزعة الإدارة الأمريكية في تناول أحداث هونج كونج. ومن المؤكد أخيرًا، أنه كما للسياسة والاقتصاد دورهما المتجانس في مختلف الملفات، التي تعكس الاتجاه القومي؛ إلا أن الإعلام الدعائي سيكون هو الآخر صاحب الدور الفعَّال، الذي يسهم في تعزيزها. وسيظل هو الصوت الممثل للدولة؛ بغض النظر عن اتساع الفجوة بين الممارسة الإعلامية وأخلاقيات المهنة ومواثيقها.

الكلمات المفتاحية