Menu
عبير صالح الصقر

المحيط الأزرق (أبوحديجان) وسحر الحاجة الملحة!

الأربعاء - 14 جمادى الآخر 1442 - 27 يناير 2021 - 11:18 م

في أحد الأيام زرت معرض أثاث معروفًا؛ لشراء غرفة نوم، وكان لي ما أردت؛ ولأن الغرفة تتطلب مرتبة للسرير تفننت البائعة بعرض منتجاتهم، فقلت لها؛ طالما أن الغرفة ستأخذ وقتًا حتى تصل فلن استعجل بالشراء لا سيما أن لي مواصفات معينة في المرتبة -(خاصة مع عدم وجود ميزة في السعر)- ردت البائعة بثقة: تمام.. لكن للمعلومية كل الزبائن يعودون ليأخذوا بضاعتنا، فقلت لها: الحقيقة أننا معتادون على نوع معين من شركة معروفة وطالما الأسعار متقاربة،

فالأفضل من وجهة نظري شراء المضمون من خلال التجربة، وتمت إجراءات الدفع والاستلام ثم سألتها عن أبعاد السرير فكان الجواب مفاجأة! فالأبعاد تفرق سنتيمترات عن القياسات المعتادة الشائعة والعالمية حتى! هنا أدركت لماذا يعودون الزبائن لشراء منتجاتهم؛ لأنهم لن يجدوا مقاساتهم في أي مكان، وهذه تحديدًا هي ما يسمى باستراتيجية المحيط الأزرق التي تقوم على خلق سوق خاص بالمنظمة لتضمن الربح بعيدا عن المنافسين، صمموا أثاثًا بمعايير مدروسة جاذبة وأسسوا سوقًا خاصة بهم لا ينافسهم فيها أحد -(ببضع سنتيمترات فقط)- خلقوا لدى العميل حاجة ملحة لهم، ثم كانوا هم طوق النجاة، وهناك كثير من الأمثلة التطبيقية لاستراتيجية المحيط الأزرق، راقب التسويق للبضائع المختلفة من حولك، وستجد أفكارًا تمويلية معتمدة على فكرة الندرة والاحتكار، حققوا ميزة تنافسية دون منافس؛ لأنهم أوجدوا سوقًا لا تبيع فيها غيرهم فبلع حوتهم المنافسين من البداية -وريحوا راسهم- وهذه استراتيجية ذكية خاصة إذا استطعت قولبتها في إطار تربوي إنساني واقتصادي بشكل إبداعي من خلال احتياجات المجتمع الملحة؛ بحيث تفتح لتلك الاحتياجات سوق يلبيها، وفي نفس الوقت تحقق أهداف المنظمة التربوية خاصة في ظل انحسار السيولة وضعف الاقتصاد، على سبيل المثال فتح حاضنات أعمال للعاطلين من الخريجين المتميزين (التميز على صعيد الاجتهاد والطموح وليس بمعيار الدرجات التحصيلية فقط) سيسد فجوة في المجتمع وفي الجامعة، على حد سواء،

أكاد أجزم بأن أفكارهم ستدهش الجميع؛ لأنهم متعطشون للفرصة، ولديهم حاجة ملحة لإثبات الذات وأغلب المعايير لا تنظر لأبعد من معدل الدرجات، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم استغلال تلك الحاجة وتشويه الغاية بلوائح تقتل الإبداع وتعطّل المنفعة، وتذكر دائمًا أن ما أحدث الفرق لم يكن سوى سنتيمترات فقط، ومن جهة أخرى يمكن عمل دكان لبيع الأفكار قائم على الحاجة في نفوس طلبة الدراسات العليا؛ بحيث يعطى للطلاب خيار تقديم ورقة عمل كإنتاج فكري يقدم حلًا لمشكلة ما في مؤسسة أو شركة كبرى باتفاق مسبق معها وفق ضوابط معينة لا يتسع المجال لذكرها.. وتحكّم الجامعة أوراق العمل المطروحة، وتعتبر عند قبولها رخصة لاجتياز الاختبار الشامل، دون دخول الاختبار من الأساس، وفي رأيي سيكون اختبارًا عمليًّا وعميقًا للجودة النوعية في مخرجات الجامعة من الطلبة، وفي نفس الوقت سوق خاصة بالجامعة لطلابها،

فهذه البحوث أفكار تُباع للمؤسسات الكبرى أو مشاريع بإمكان الجامعة تبنيها وإطلاقها، فحاجة الطالب إلى الاجتياز ستدفعه لإبهار القائمين على التحكيم بتقديم أفكار أصيلة تتحدى المخاطر وتحل مشكلات لا سيما أن هذا مجاله كباحث؛ بحيث لا تمثل هذه الأفكار البحثية مجرد إحصائيات جوفاء لا تقدم ولا تؤخر في تحسين الواقع، ختامًا أعتقد أن مؤسس هذه الاستراتيجية في التسويق هو أبوحديجان عندما استطاع إقناع المشتري بشراء الغنم ثم خلق في نفسه حاجة ملحة إلى الكلب -أجلكم الله- وفي نهاية الأمر عندما سلكت أمور الاستراتيجية عرض حتى زوجته العجوز للبيع.. مجرد مزحة.

الكلمات المفتاحية