Menu


محمد الرساسمة

كهوف العزلة !

الجمعة - 9 ذو القعدة 1440 - 12 يوليو 2019 - 06:00 م

ارحل وابتعد، اختر مكانًا لا تعرف فيه أحدًا، أثقل حقيبتك بما تحب، اقطف خمسة عشر يومًا من عامك وحيدًا، اعتزل العالم بأشخاصه وتقنياته، جالس لبك، واستمع لأريجك، تصفح وجدانك، ماشي أقدارك، حاسب فؤادك، واستمتع بصحبة ذاتك، وأطلق لها العنان في عزلتك.

إن العزلة استجمام تصفو فيه أرواحنا، وتجعل أيامنا المقبلة أكثر اتزانًا، وتجعلنا نقف أمام أنفسنا متسائلين، نراجعها تارة ونشد على يدها تارة أخرى، نحاول بالعزلة أن نغتسل بها من همومنا ونشذب أطماعها، ونستذكر بها نعم الله علينا، وفي عزلتنا نستجدي مهجتنا ونهذبها من كل اضطراب حلّ بها.

في كهف العزلة ستُعسف أفكارك وتصطف طموحاتك، وإن كنت في عمر السبعين أو طواك عمر الثلاثين فأنت لم تمت بعد، فربما أن كهفك هو الملجأ الذي سينقذك من لحظات الاحتضار، وربما يُحيي جثمان أمالك، فلا تزاحم نفسك بأنفاس أخرى فهي واحدة فقط تستحق منك أن تدللها.

لا أخفيكم بأن كل محاولة للعزلة ليست رحلة ناجحة، فقد لجأت لها طوعًا وخشيت الوحدة، فتفاجأت أن في انتظاري حفلة صاخبة مع بنات أفكار غانية، ثملنا معًا حتى ساعات الصباح الأولى ثم عدت إلى حياتي، ولم أستمتع بالعزلة، وبعد محاولات متكررة أتقنت قواعد لعبتها فكانت السعادة مستقبلةً لي عند بابها.

يقول وديع سعادة: «كأنَّ الاحتفاء بالذات لا يتمُّ إلا بالعزلة، وهو محق فكل رسام ومؤلف وشاعر وملحن وصاحب قرار احتفى بذاته بالعزلة حتى أنتج مملكة إبداعية مخلدة»، هؤلاء المبدعون ذهبوا إلى الكهوف، معتزلين الإنس ولا يأبهون بمرور الجان، تجدهم محدقين الأبصار، تراهم في زوايا الغار، كأن وحيًّا سيهبط أو روحًّا ستصعد.

في الحقيقة أني أحمل ذكريات سعيدة في رحلات خلوتي وانفرادي والأجمل من ذلك أنه لا أحد يعرف بتفاصيلها سوانا، لكنني سأبوح لكم بأحد أسرار نفسي عندما التقيت بها في العزلة فقد قالت لي، وهي متبرجة، وأخيرًا بقينا لوحدنا!

 

الكلمات المفتاحية