Menu
د. عبدالله القفاري

الكوتشنق والحرية المالية وتحقيق الأمان

السبت - 21 شعبان 1442 - 03 أبريل 2021 - 07:35 م

يكاد يتفق علماء الاجتماع وعلماء النفس على أن معظم المشكلات الأسرية والاجتماعية في العالم المعاصر تعود لأسباب مادية نتج عنها ضغوط قوية أفضت إلى مشكلات فردية وأسرية، حيث تتمثل المشكلة عندما يكون دخل الفرد لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية فضلاً عن متطلباته التكميلية، فما هو الحل؟

أحد الحلول المطروحة في علم الكوتشنق تركز على الأخذ بمنهج الحرية المالية، والذي ظهر في الآونة الأخيرة كهدف وحل لتحديات المشكلات المالية، والحرية المالية هي حالة تكون فيها عوائد استثمارات الفرد المالية مساوية أو فائضة عن مصروفاته.

في البداية علينا أن نُعرف مصطلح "المال" والذي اختلف عليه الجميع، فهو يعني أن تكون لك مصادر دخل مالي ثابت وموثوق وتدر عليك من المال فوق كفايتك، وبدون أن تكون أنت مضطرًا إلى العمل المباشر المستمر، لكن هناك من يري أن فيه القوة والاستقلال والنفوذ السياسي أو الاقتصادي، وهناك من يري أن المال أداة تتيح له تحسين حياته للحصول على التعليم والرفاهية وطريقة لقياس نجاحه في الحياة. 

لهذا كان من وصايا الحبيب عليه السلام: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم" وذلك في وصيته لسعد.

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، قلت يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون" ولم يكن له يومئذ إلا ابنة.

ولأهمية الحرية المالية جعل أنتوني روبنز الكاتب الأمريكي الشهير أن يخصَّص فصلاً كاملاً حول الحرية المالية في كتابه الذي ترجم الى عدة لغات عالمية “قدرات غير محدودة”، وجعل فيه خمس وصايا لبناء صرحك المالي وتحقيق الغنى، وهما:

أولاً: تعلم كيف تتعامل مع الفشل، فإذا أردت الوصول إلى ما تريد وضمان تحقيق الحرية المالية على المدى البعيد، يجب أن تتعلم كيف تستفيد من الفشل.

ثانيًا: تعلم كيف تتعامل مع الرفض، وأن تتعلم كيف تجرد هذا الرفض من قوته وسلطته، ويضرب المثال بالممثل الأمريكي الشهير سيلفستر ستالوني (رامبو) والذي حقق نجاحا هائلا في أفلامه، وما كان هذا النجاح ليتحقق لولا قدرته على تحمل الرفض بعد الرفض، فعندما بدأ بالتمثيل كان قد تم رفضه عددًا من المرات لن تتخيلها.

ثالثًا: مفتاح الثروة هو أن تكون أنت أكثر قيمة، وأن تصنع من نفسك ما يمكِّنك من إضافة قيمة حقيقية لحياة الناس، وهذا سيحقق لك النجاح والحرية المالية، فضلاً على أن يكون لديك مهارات أكثر وقدرات أكثر، وذكاء أكثر ومعلومات متخصصة، وقدرة على عمل أشياء لا يمكن أن يفعلها إلا القليلون، أو أن تستطيع فقط التفكير بطريقة إبداعية وتسهم بالعمل على نطاق وافر فإنه يمكنك أن تزيد دخلك بصورة أكبر مما كنت تظن.

رابعًا: تبرع بعشر دخلك وأن تأخذ نسبة من كل مكاسبك وتتبرع بها لجهات خيرية ولمساعدة الآخرين، وسبب ذلك أن التبرع بهذا الجزء من مكاسبك يعطي إشارة واضحة للعقل اللاواعي أنك تملك ما يكفيك، وعندما تتمسك بهذا الاعتقاد، فإنه سيصبح حقيقة واقعية.

وهذا هو مفهوم الصدقة والزكاة في الإسلام، فهي مفتاح روحي للخير والرزق والسعادة، وحتى لو كنت في مستوى مالي متواضع، فيمكنك أن تتصدق بالقليل، والله يجزي المتصدقين {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}.

خامسًا: أنفق أقل مما تكسب واستثمر الفرق، فقد أكد أن أحد دعامات الحرية المالية هو تخصيص نسبة محددة من دخلك لتقوم بإعادة استثمارها، وألا تنفق كل ما تكسبه.

وأنهي أنتوني روبنز الفصل الذي يتحدث عن الحرية المالية بنصيحة مهمة قائلاً: "أعط أكثر مما تتوقع أن تأخذ، سر الحياة العطاء، إذا أردت لحياتك النجاح فعليك أن تتعلم كيف تعطي، فمعظم الناس يبدأون حياتهم ولا يفكرون في شيء سوى كيف يأخذون، إن الأخذ ليس بمعضلة، ولكن عليك التأكد من أن تعطي حتى تبدأ العملية في الحركة، وإن مفتاح أي علاقة هو أن تعطي أولًا وأن تستمر في العطاء، فلا تتوقف وتنتظر الأخذ.

وجدير بالذكر أن ستة من العشر المبشرين بالجنة من الصحابة كانوا يملكون المال بل ومن الأغنياء، على سبيل المثال "عبدالرحمن بن عوف وعثمان بن عفان" رضي الله عنهما، وغيرهم من الصحابة كان المال يمثل لهم مصدر قوة، فقد  جعل الشرع الحكيم المال من الضروريات الخمس التي لا بد منها لصلاح معاش الإنسان ومعاده، ومما يدل على أهمية المال قوله تعالى: {ولَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا}، وقد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين والصديقين والشهداء"، لذلك نقول إن المال في حد ذاته ليس شرًّا لكن حب المال هو الشر ووضعه في القلب أكثر شرًّا.

 من المهم أن نتعلم ألا تغرنا المظاهر، فليس المهم أن أركب سيارة فاخرة اليوم وأنا لا أستطيع دفع ثمنها ولا أستطيع حتى صيانتها، ولكن المهم أن أستثمر مالي فيما يعود عليّ بأرباح مستمرة، وقديمًا قالوا: قليل دائم خير من كثير منقطع، وألا أتظاهر بما ليس عندي، ويكون هدفي المالي رفع عدد الأصول وليس الاستهلاك، عندها فقط، سيتاح لي ولك أن نمد لحافنا على قدر رجلينا، وذلك بالتخطيط والعمل والنجاح، وليس كما يقال: مد رجلك على قدر لحافك.

وأخيرًا: 

ليس المهم أن تحصل على المال.. ولكن الأهم أن يبقى هذا المال في استثمار ناجح يصنع لك ولأسرتك الحرية المالية المستدامة حتى نهاية الحياة.

الكلمات المفتاحية