Menu


فهد بن جابر

احتكار سمع!

الخميس - 4 رمضان 1440 - 09 مايو 2019 - 06:05 م

يحكى أن إمبراطورًا أُعجب بوزيره (خزعل) إعجابًا شديدًا. ولقد كان ذلك الوزير حادّ الذكاء شديد المكر، لدرجة استطاع أن يُقصي كل من يراه مميزًا أو مخلصًا لذلك الإمبراطور. لم تعُد الشكوك حول أقوال وأفعال الوزير تراود الإمبراطور بعدما تمكّنت الثقة فيه من عقله، وسيطرت المحبة على قلبه. وكان ذلك الوزير كذّابًا أشرًا، وكثيرًا ما كان يحيك الحكايات لتتناسب مع المواقف، وليمهّد لأهدافه الخاصة. كثيرًا ما ساعد الوزير على الحفاظ على منزلته المرموقة؛ لكون تلك الجزيرة نائية، بعيدة عن طرق السفر.

ولأنه يثق به، سأله الإمبراطور ذات مرة عن وصف الملائكة! وبسبب اطّلاعه الواسع، قام بوصف "القنطور"؛ وهو كائن أسطوري، جزؤه العلويّ عبارة عن انسان، والسفلي عبارة عن حيوان. أراد توظيف تلك الخرافة تهويلًا لزخمه المعرفي، واقصاءً لكلمة "لا أعلم". انتشرت هذه الشائعة في عامّة الشعب انتشارًا غير مسبوق.

قد يحتكر شخص ما يعرفه من معلومات لأسباب كثيرة، منها حساسيتها، أو لتكون له قوة المعرفة دون غيره، أو لما تمثّله من قيمة مالية. العجيب حينما يكون الشخص مُحتَكِرًا في مصدر معلوماته، والأعجب حينما يكون هو راضٍ عن ذلك، فلا يسعى ليُنوّع مصادر معلوماته، فيصبح بذلك وعاءً يُملأ بما يريد مصدرُه الأوحد.

بسبب عدم وجود الخيول على الجزيرة المذكورة، لم يستوعب السكّان الأصليون أن الغزاة لم يكونوا سوى بشرًا مثلهم؛ فرسانًا ممتطين صهوات جيادهم. كان أول ما تبادر لأذهان السكان أسطورة القنطور، فوَقَعوا لهم سُجدًّا، متبرّكين بهم، لا يرفعون رؤوسهم خشوعًا وخشية، وكان ذلك أسهل وأغرب احتلال.

اكتشاف الحقيقة بعد الاستسلام لم يُغير شيئًا. أول شيء فعله خزعل هو التقرب من القوة الجديدة بالإساءة للسابقة، وكشف سوءاتها، التي كان له الفضل في أغلبها.

ومثل خزعل كثير، ومثل ابن العلقمية كثير، ولكننا لا نمعن النظر ولا ننعم الفكر. ربما كانت الحكمة من كون كل أذنٍ في جهة مختلفة، إشارة لوجوب الاستماع لأكثر من رأي، وأكثر من جهة ووجهة!

فهد بن جابر

الكلمات المفتاحية