Menu


د. علي السويد

كلبشة القيم!

الاثنين - 7 ربيع الأول 1441 - 04 نوفمبر 2019 - 10:25 ص

تسيطر ما تسمى بمفاهيم القيم، وما ينسب إليها زورًا من عادات وتقاليد، على تصرُّفات بني البشر.. كثير من تلك المفاهيم شَلّت أجسادًا، وكبّلت أيادي، وربطت ألسنة، وجفَّفت أقلامًا؛ يأتي ذلك خوفًا من التعدي عليها، أو حتى الوقوف على طرفٍ من أطرافها!

التاريخ مُشبع بضحايا القيم، الضحايا التي تجرّأت لحظة من لحظات حياتها على تلك المفاهيم، زعمًا بأنها ستكسر هيمنتها وتثبت أمام سيلها وتصمد بمواجهة سيوف مُتعاطيها، إلا أنَّ تلك اللحظات التي تشجّع بها هؤلاء كانت هي اللحظات الأخيرة مِن سيرتهم، ولنا في الفيلسوف الألماني «فريدريك نيشته» خير مثال، وهو الذي خصص جزءًا كبيرًا من حياته في مشروع نقد القيم السائدة نقدًا متطرفًا جامعًا أبيضها وأسودها في مرمى واحد، وكاسبًا أعدادًا غفيرة من الأتباع والمؤمنين بمنهجه، إلا أنَّ هذا لم يحمِه من قبضة خصمه، لتنتهي به الحال مكسورًا عقلًا وجسدًا!

لا خلاف على القيم المنصوص عليها في المؤلفات المقدسة والتي قَبِلَها إيمان الشخص ثم تجاوزت «فلترة» العقل بسهولة لمنطقيتها، إنما يكمن الخلاف فيما دَنا تلك الكتب من تأويلات شخصية وابتداعات من بنات أفكار نفر من الناس، فأصبحت فَرضًا يُوجَب فعله ويُؤثَّم تركه ويُصلب منتقده!

هرم التاريخ وبحّ صوته وهو يدعو الناس أن تأخذ من صفحاته العظة والعبرة؛ ففي فصول القيم والعادات التي يقدمها، نجد مئات الصفحات التي تستحضر قيمًا كان المساس بها في يوم من الأيام خطيئة كبرى لتصبح مع الوقت ليست سوى قيم قرطاسية لا تقدّم خطوة واحدة، بل تؤخر عشرين!

لا يمكن المزايدة على أهمية عناوين عريضة كالدين والأخلاق والهوية وشيء من الموروث، لكن أن توضع تلك العناوين كشماعة يُعلَّق عليها كل بدعة قديمة أو حديثة، فتحمل وزر خرافات تلك البدع، لا شك بعدها أن هيبة بعض من تلك العناوين ستتربع على كف العفريت!

ليس من المنطق أن يحكم المتوفى الحي ولا السابق على اللاحق إلا بالفكرة التي ليس لعمرها تاريخ يحدّ من صلاحيتها، وماعدا ذلك، سيظل بنو البشر مأسورين في زنزانة مفتاحها قابع في أعماق الأرض، تحديدًا في «جيب» من ابتدع العادَة وأتبعها الخليقة قبل أن يسبقهم ويتلحف الأرض نومًا أبديًا!
 

الكلمات المفتاحية