Menu
فاطمة مستور الغامدي
فاطمة مستور الغامدي

حكايات بيوت (2)

الأربعاء - 25 ذو الحجة 1442 - 04 أغسطس 2021 - 02:52 ص

اعتدت أن أجلس خلف منضدتي في غرفة مكتبي المطلة على ممر تجلس فيه العاملات فتأتيني كل صباح إحداهن لتنثر ما في جعبتها من حكايات وتنفس عن بعض ما أصابها من هموم الدنيا وتبث الشكوى من أوجاع الحياة ولأوائها.

وكان أشد ما يقلقها هو مستقبل ابنتها التي تزوجت من رجل تهيمن عليه والدته هيمنة تامّة وعلى حياتهما وتتدخل بشكل دقيق في تفاصيل حياتهما حتى إنها لتحدد لهما وقت الخروج والدخول ومقدار الصرف ومحتويات البراد المنزلي، وهما يقطنان في الدور العلوي فوقها مباشرة فتتصل بهما فور سماعها وقع أقدامهما على الدرج للسؤال والتحري عن سبب الخروج، إلى غير ذلك من الأمور، بل وتعدى بها الحال إلى أن صارت تطلب من ابنها تسليمها كامل راتبه لتتصرف فيه كما تشاء ومنعته من مواصلة عمله في شركة كبرى لأسباب غير منطقية وأجبرته على الاستقالة من تلك المهنة المربحة والمشرفة، فصار هائمًا على وجهه يبحث عن وظيفة حتى تيسر له عمل لا بأس به، لكنه يدرّ عليه دخلُا محدودًا، ولما فكر في التوسع في الرزق ومحاولة العمل على تنويع مصادر دخله لسد الفاقة وتغطية الاحتياجات لامرأته وطفليه رفضت رفضًا قاطعًا وهاجمتهما بشدة، فما كان منه إلا الاستسلام والتسليم.

تحكي لي فتقول: عندما كانت تناقشه ابنتي وتطلب منه الاستقلال في السكنى والبعد عن المشاكل التي تفتعلها أمه بلا حاجة ولا سبب، كان يجيبها بأن هذه أمي وعلي برها، لاسيما أنها فقدت والدي وأنا ابنها الوحيد القريب منها في المدينة، فعلي أن أعوضها عن دور والدي وغياب أخويَ اللذين يسكنان بعيدًا في مدن أخرى، ومرت الأيام وأنا أصبر ابنتي وهي تتصبر لأنها تحبه ولا ترى منه خلقًا سيئًا سوى ما يكدر صفو علاقتهما من تدخل والدته وسيطرتها الكاملة على حياتهما وموقفه السلبي الخاضع تجاه ما يحدث، ثم تفاقم الأمر حتى صارت تهاجم ابنتي وتسيء إليها وتشوه سمعتها بين الأقارب وتتهمها بالتقصير والاستحواذ على ابنها وصرفه عنها، وتمنعه من النفقة عليها، بحجة أن والديها يمكنهما الإنفاق عليها، وأن عليه فقط التركيز على والدته وأخته المطلقة التي تسكن برفقتها رغم كونها موظفة، فتطورت بهما الحال حتى صار الرجل الحائر كلما كلمته ابنتي لا يملك سوى أن يجهش بالبكاء ولا يحير جوابًا.

تقول أم أ.: عندها أخذنا ابنتنا عندنا، وآل حال الزوج المسكين إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، ونحن لا يسرنا هذا الحال ولا نقبله لابنتنا ولا لزوجها البائس، لكن أنى لنا أن نواصل السكوت ونحن كلما حاولنا التدخل لإصلاح الوضع أجابنا بعبارة: هذه أمي وما أصنع لها وكيف أتصرف معها؟! 

لقد وقع الزوج الشاب المسكين بين مطرقة حب زوجته وأسرته الصغيرة والرغبة في تحقيق واجباتها، وبين سندان سيطرة الأم الجبارة -والتي ربما تعاني من اضطراب نفسي وسلوكي، أو أنها مصابة بأحد أمراض القلوب الفتاكة، كالحسد والغيرة نسأل الله العافية والسلامة- وخوفه منها ورغبته في برها حسب ما يمليه عليه واجبه الديني والأخلاقي 

قالت لي: لقد سيطرت عليه وأخافته حد الجنون، فصار يحدث نفسه كثيرًا، وبعد أن تتصل به يجلس يبكي وحده بشكل هستيري دون سبب، وكلما طلبت منه ابنتي حاجة أو طلبت منه أن يوصلها لمكان، فما إن يأخذوا مقاعدهم في السيارة حتى تنهال عليه بالاتصالات وتصيح في وجهه أن أرجع إلى البيت فلا حاجة لخروجكما وبيتكما مليء بالأغراض والمشتريات، وتواصل حديثها فتقول: لقد كانت ابنتي تحبه وتتصبر لذلك، لكنها أفسدت عليهما حياتهما وفقد حبها بريقه ومذاقه، فماذا يعني الحب، وما يفيد مع ضعف الشخصية والخنوع وانعدام القدرة على السيطرة على الأمور واتخاذ القرارات حتى في أبسط الأشياء! ثم اضطرت ابنتي لطلب الطلاق فانهار المسكين، وانتهى به المطاف أن أصيب بحالة متقدمة من الاكتئاب ولزم المستشفى، والله أعلم إلى أين تؤول الأمور.

قلت: وكم من زوجة ابن تواجهها هذه الأزمة وتقع في حبائل تلك المعضلة فكلما شكت حالها لأحد وطلبت المساعدة فلا يعدو الجواب أحد أمرين: إما أن يثرب عليها ويوبخها ويهددها بأنها ستلاقي يومًا من ابنها ما تفعله مع أم زوجها وينظر لها شزرًا مرددًا: كما تدين تدان (وهذه غالبًا نظرة كثير من المجتمعات مع الأسف الشديد)، وإما أن يذكرها أن عليها الصبر والتحمل فكلما كبر المرء وتقدم به العمر ساء خلقه وأن عليها تفهم ذلك وتقديره واحتساب الأجر في رعايتها والصبر على نكد طباعها ومجاملتها وتحمل ذلك لأجل الزوج وحقه العظيم عليها.

ويغفل هؤلاء أن هذه المرأة كيان بشري مركب من كتلة من المشاعر والأحاسيس والانفعالات يحكمها الوجدان والعقل وتحركه القيم والمبادئ التي تربت عليها، وأنه كما عليها واجبات فلها حقوق، وكما أن أم الزوج قد نالت حظها من الحياة وقسطها من العيش مع الزوج فكذلك كنتها (امرأة ولدها) عليها أن تأخذ حظها من الحياة مع زوجها والعيش بسلام.

إن كل تلك المشكلات التي تعصف بكثير من البيوت العربية -تحديدًا- غالب منشؤها يعود إلى طبيعة التنشئة والقناعات التي تربى عليها الأجداد والآباء، والتي تمنع الابن من مناقشة والدته ومحاورتها فيما يخص حياته، بحجة أن في هذا نوع من التعدي عليها والذي يدلل على عقوقها، وأن مجرد الكلام مع والدته للاستيضاح أو للتوضيح دليل واضح على خنوعه لزوجته وتسليم قياده لها وإيثاره لها على والدته، فصار الشاب المسكين يشب ويترعرع على مفاهيم مغلوطة ظانًّا أن الرجولة تكمن في قمع الزوجة والرضى باستئساد الأم عليها، وأن أسلم الأحوال له ليبتعد عن الوقوع في حبائل العقوق هو الصمت المطبق، فيقع المسكين ضحية الحيرة بين إرضاء والدته وزوجته، ويصير عاجزًا عن محاولة تحقيق الموازنة بين حقوق كل واحدة منهما ويشتد الخطب عليه إن كان هو الابن الأكبر أو الأقرب في المسكن لاسيما بعد وفاة والده.

وقد أفادنا شيخنا محمد العثيمين رحمه الله حين سئل: هل لأم الزوج أن تتحكم بزوجة ابنها؟ في لقاءاته الصوتية المسجلة بعنوان: (سؤال على الهاتف) بما يتضمن معناه:

إنني أنصح أمهات الأزواج اللاتي يرغمن زوجات أبنائهن على القيام بحوائجهن الخاصة، بالامتناع عن ذلك لأن في ذلك ظلم لهن ولا أحد يرضى أن يكون ظالمًا لشخص يطالبه بمظلمته يوم القيامة. وأنه ليس لأم الزوج حق على زوجة ابنها بالقيام على خدمتها، وإنما الحق يكون للزوج ولكن من باب أداء المعروف وتقديرًا لحق الزوج ووفاء لعشرته وحفظًا لكيان الأسرة، وعلى زوجة الابن الإحسان في عشرة أم الزوج. انتهى.

[طبعا هذا في حال لم تكن أم الزوج صاحبة حق على زوجة ابنها حتى من دون علاقة نكاح -كأن تكون عمتها أو خالتها- فهنا يختلف الوضع وله شأن خاص].

و هنا أجدني مضطرة لأقدم عددًا من التوجيهات للمحاور الثلاثة في تلكم البيوت والتي تتمركز حولها المشكلات:

1-    لأم الزوج أقول: عليك أن تستعيني بالله تعالى في أن يغنيك بفضله عمن سواه وأن ينتزع الغيرة من قلبك تجاه كنَتك وأن تعودي نفسك على قضاء شؤونك بنفسك وأن لا تكوني كلًّا تنتظري المساعدة من أحد ابنًا كان أو بنتًا ما دامت العافية في جسدك والصحة في بدنك، وأن ترأفي بحال ابنك المسكين الذي يعاني بصمت وتمزقه الحيرة فيمن يرضي وكيف يرضي وبمن يبدأ ولمن يعتذر، هذا سوى ما يجده في عمله من ضغوط وتبعات تستلزم توفير الراحة له، واسعي لأن يكون لك مصدر دخل مستقل عن ابنك أو غيره تحفظي به ماء وجهك وتستديمي كرامتك، وعليك الالتفات لقلبك وتفقد سلامته كل حين واستعيني بسؤال الله -عز وجل- أن يوفقك ويهديك لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال.

2-    وللزوجة أقول: العشرة بالمعروف مطلوبة والإحسان لكبار السن فضل ندبت إليه شرعتنا الغراء وتشربناه من موروثنا الأخلاقي والقيمي، لكن إياك أن تضيعي نفسك وحقوقك في محاولة استرضاء جميع الأطراف على حساب صحتك النفسية والمعنوية فإن الاسترسال في سلسلة التنازلات الحقوقية لا يكاد يوقفه أحد ولن يحمده لك أحد، أدّي الحق الذي عليك وسلي الحق الذي لك، فإن لم يكن فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. 

3-    وللزوج أقول: إن أهم ما ينبغي عليك تعلمه واكتسابه من مهارات حياتية واجتماعية وشخصية قبل الزواج هي مهارة: تحقيق عجلة التوازن بين الأطراف المتنازعة على حبك واجتذابك، فمهارات ضبط النفس واتخاذ القرار وتوكيد الذات وفنون الحوار والتأثير والإقناع كل ذلك مما ينبغي عليك التدرب وتوطين النفس عليه قبل أن تخوض غمار معترك الحياة الزوجية، فالقول الفصل بيدك ونجاح العلاقات تحت مظلة أسرتك أو فشلها تتكئ على مدى قوتك في تحقيق معظم تلك المهارات.

الكلمات المفتاحية