قال المحلل السياسي الدكتور خالد باطرفي، إن المملكة تبنت موقفًا ثابتًا منذ بداية الأزمة في اليمن يقوم على دعم وحدته واستقراره، والحفاظ على مؤسساته الشرعية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن أي تفكك للدولة اليمنية سينعكس مباشرة على أمن المنطقة، وفي مقدمتها أمن المملكة.
وأضاف باطرفي، في تصريحات لـ«عاجل»، «مثّلت حضرموت دائمًا نموذجًا نسبيًا للاستقرار مقارنة بمناطق أخرى، ما جعلها هدفًا لمحاولات العبث وجرّها إلى مربع الصراع».
وبين أن التحركات الأخيرة لبعض التشكيلات المسلحة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت جاءت خارج كل الأطر المتفق عليها، وضربت عرض الحائط بالجهود السياسية والعسكرية التي تقودها المملكة بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي، لإعادة ترتيب الوضع الأمني، وتسليم المعسكرات للسلطات المحلية وقوات الدولة النظامية. هذه التحركات لم تكن دفاعًا عن قضية، بقدر ما كانت محاولة لفرض نفوذ بالقوة، واستثمار فراغات سياسية وأمنية لتحقيق مكاسب شخصية وفئوية.
وأضاف باطرفي أن حضرموت بتاريخها وثقلها الجغرافي والبشري، ساحةً ليست هامشية في المعادلة اليمنية، ولا يمكن التعامل مع ما يجري فيها اليوم بوصفه حدثًا محليًا عابرًا أو خلافًا داخليًا محدود الأثر. فالتطورات الأخيرة في المحافظة تكشف بوضوح عن صراع بين مشروعين: مشروع الدولة اليمنية الذي تدعمه المملكة العربية السعودية، ومشاريع أمر واقع تسعى لفرض نفسها بالقوة، خارج إطار الشرعية والتوافق الوطني
وبين باطرفي أن الموقف السعودي من هذه التطورات كان واضحًا وحاسمًا: لا شرعية لأي تحرك عسكري خارج مؤسسات الدولة، ولا قبول بأي قرارات أحادية تهدد السلم الأهلي أو تقوّض جهود التهدئة. وقد استنفدت المملكة، خلال الفترة الماضية، كل أدوات الحوار والوساطة، وأبدت قدرًا عاليًا من ضبط النفس، حرصًا على تجنيب حضرموت واليمن عمومًا سيناريوهات الدم والفوضى. غير أن استمرار التعنت وفرض الأمر الواقع لم يترك مجالًا للمناورة.
كما بين أن القراءة السعودية لما يجري في حضرموت تنطلق من عدة اعتبارات استراتيجية. أولها أن المحافظة تمثل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا مهمًا، وأي انفلات فيها يفتح الباب أمام الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب، بما يهدد الأمن الإقليمي. ثانيها أن تجاوز مؤسسات الدولة اليمنية ينسف فكرة الحل السياسي الشامل، ويعيد البلاد إلى منطق المليشيات المتنازعة. وثالثها أن القضية الجنوبية، رغم عدالتها التاريخية، لا يمكن اختزالها في شخص أو فصيل، ولا يجوز توظيفها كذريعة لتمزيق ما تبقى من الدولة.
وأضاف باطرفي أن السعودية، في تعاملها مع الملف اليمني، تميّز بوضوح بين الحقوق السياسية المشروعة، وبين الانقلاب على التوافقات الوطنية. وهي تدرك أن أي حل مستدام يجب أن يمر عبر الحوار، وبناء الثقة، والالتزام بالاتفاقات، لا عبر فوهات البنادق أو فرض الوقائع بالقوة. لذلك، فإن دعمها المستمر لمجلس القيادة الرئاسي وللسلطات المحلية في حضرموت يأتي في إطار تثبيت الدولة، لا استهداف أي مكون اجتماعي أو سياسي.
وأشار إلى أن ما يحدث اليوم في حضرموت يمثل اختبارًا حقيقيًا لصدق الشعارات المرفوعة، ولقدرة القوى المحلية على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. كما أنه رسالة واضحة بأن المملكة، التي دفعت أثمانًا كبيرة دفاعًا عن اليمن واستقراره، لن تقف متفرجة على محاولات جرّ المحافظة إلى مربع الفوضى، أو استخدام أبنائها وقودًا لمشاريع لا تخدمهم.
وأكد باطرفي أن حضرموت ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لبناء زعامات عابرة، بل ركيزة أساسية في مستقبل اليمن. ومن هذا المنطلق، سيظل الموقف السعودي منحازًا للدولة، وللحل السياسي، ولأمن اليمنيين جميعًا، بعيدًا عن المغامرات التي لم تجلب لليمن، عبر تاريخه القريب، سوى المزيد من الخراب.