الأراء

حرب إيران.. دروس لدول المنطقة

فهد عامر الأحمدي

الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الجنود، ولا تحدث فقط على الأرض، بل أصبحت "حروباً متعددة الأبعاد" تشمل التفوق الجوي، والرصد الفضائي، والذكاء الاصطناعي، والتجسس الإلكتروني، والأسلحة المسيّرة.. ناهيك عن بناء تحالفات سياسية وعسكرية قوية قبل دخول المعركة.

أنا شخصياً على قناعة بأن الانتصار في (الحرب القادمة) يتطلب الاستعداد لها قبل سنوات طويلة من وقوعها .. أجهزة الاستخبارات في أي دولة لا يمكنها تجاهل أي حرب في منطقتها (حتى حين لا تكون طرفاً مباشراً فيها) .. لا تستطيع الاكتفاء بالمشاهدة دون تقديم التقارير، ورفع التوصيات، ومتابعة السياسات، وتحليل الاستراتيجيات، واستخلاص الدروس، وتنبيه القيادات السياسية والعسكرية لنقاط الضعف وما يجب فعله عند التعرض لحرب مماثلة.

وبطبيعة الحال، هذه التقارير سرية وغير معلنة ولا يتم تسريبها لوسائل الإعلام، غير أن الاستخبارات التركية نشرت (وهذا أمر نادر) تقارير تفترض أنها الدولة التالية على قائمة الدول المستهدفة من إسرائيل وحلفائها الغربيين.

دعونا نستعرض أولاً أجزاءً من التقرير الذي نشرته الاستخبارات التركية (MIT) في أغسطس 2025، وحمل عنوان: "حرب الـ 12 يوماً.. دروس لتركيا" (12 Günlük Savaş: Türkiye İçin Dersler).

ففي هذا التقرير، قامت الاستخبارات التركية بتحليل الحرب (الأولى) لاستخلاص الدروس وتفادي الثغرات التي وقعت فيها إيران، وخرجت بخمسة دروس وتوصيات، هي:

_ أولاً: أهمية التفوق التكنولوجي والسيبراني؛ حيث أشار التقرير إلى أن إيران اعتمدت لعقود طويلة على "الدفاع التقليدي"، بينما استخدمت إسرائيل وأمريكا أسلحة متطورة وشنت هجمات سيبرانية مكثفة شلت أنظمة القيادة والسيطرة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب. والدرس الذي يجب أن تتعلمه تركيا (بحسب التقرير) هو ضرورة "توطين" التكنولوجيا الحربية بالكامل، وتطوير كتائب حرب سيبرانية تضمن عدم وجود "أبواب خلفية" يتسلل منها العدو.

_ ثانياً: السيطرة الجوية؛ حيث لاحظ التقرير أن السيطرة الجوية الإسرائيلية كانت شبه مطلقة، وأن أنظمة الدفاع الإيرانية لم تكن كافية لمواجهة الهجمات المتزامنة، خصوصاً بعد عقود طويلة من منع قطع الغيار والصيانة عن القوات الجوية الإيرانية. وهذا التفوق (الإسرائيلي) يؤكد أهمية امتلاك منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وطرقاً أكثر تقدماً في رصد القاذفات الشبحية والصواريخ المسيّرة. والدرس المستفاد لتركيا هو تسريع بناء نظام دفاع جوي وطني شامل مماثل لمشروع "القبة الفولاذية" الإسرائيلي، مع التركيز الخاص على حماية المنشآت الاستراتيجية ومقار الأجهزة الأمنية من الصواريخ "الفرط صوتية" والطائرات المتسللة.

_ ثالثاً: حماية النخب السياسية والقيادات العسكرية؛ حيث لفتت الدراسة إلى أن نجاح إسرائيل المبكر في اغتيال قادة عسكريين وعلماء ذرة إيرانيين يؤكد وجود اختراق استخباراتي عميق بنته إسرائيل وخططت له قبل سنوات طويلة من الحرب (وأعتقد شخصياً أن إسرائيل تمارس الأنشطة ذاتها ضد بقية دول المنطقة). والدرس هنا هو تشديد مكافحة التجسس الداخلي، وحماية النخب العلمية والعسكرية، وتطوير بروتوكولات أمنية مشددة للشخصيات المؤثرة في الدولة.

_ رابعاً: الدفاع المدني والبنية التحتية؛ حيث انتقد التقرير ضعف الجبهة الداخلية الإيرانية في التعامل مع حالات الطوارئ تحت القصف المستمر، ووجود نقص واضح في حماية المدنيين وقدرة الأجهزة المدنية على إصلاح المنشآت الحيوية. والدرس لتركيا هو بدء برنامج وطني للإنقاذ الميداني أثناء الحرب، وبناء ملاجئ جماعية في المدن كما فعلت إسرائيل (مما ساهم في انخفاض خسائرها البشرية رغم غزارة الصواريخ الإيرانية). كما أوصى التقرير بتطوير شبكات إنذار مبكر تغطي كافة الأراضي التركية، وتدريب السكان على سيناريوهات الحرب الشاملة.

_ خامساً: التحالفات الاستراتيجية والدبلوماسية؛ حيث نبه التقرير إلى خطورة "العزلة الدولية" التي عانت منها إيران مما جعلها هدفاً مستباحاً، وطرفاً معزولاً دون حلفاء أو غطاء سياسي دولي قوي. والدرس لتركيا هو ضرورة تعزيز التحالفات العسكرية مع الدول الكبرى (كالصين وروسيا) ودول المنطقة (مثل السعودية وأذربيجان)، وتفعيل دبلوماسية نشطة واستباقية تمنع عزلة الدولة في أي صراع مستقبلي...

*** *** ****

وحين اشتعلت الحرب الثانية ضد إيران، أضافت الاستخبارات التركية (خلال هذا الشهر أبريل 2026) تحديثات جديدة على تقريرها السابق، وركزت هذه المرة على "استراتيجيات بقاء الدولة" خلال حرب طويلة الأمد..

ومن أبرز النقاط التي وردت في التقرير الجديد:

_ أولا: التنبيه إلى محاولات تفكيك النسيج الاجتماعي، حيث حذرت الاستخبارات التركية (على لسان رئيسها إبراهيم كالن في مارس 2026) من أن هدف الحرب الثانية على إيران ليس فقط تدمير البرنامج النووي، بل تهيئة الظروف لخلق صراعات عرقية وطائفية (كردية، عربية، فارسية) قد تمتد آثارها إلى تركيا ودول المنطقة.

_ ثانيا: الاختراق الداخلي، حيث شدد التقرير على أن الضربات الدقيقة في 2026 لم تكن لتنجح لولا وجود عملاء محليين يتعاونون مع إسرائيل في اختراق العمق الإيراني (لدرجة معرفة موقع وتوقيت اجتماع خامنئي مع قيادات الدولة، والنجاح في إبادتهم بضربة واحدة). وبناءً على هذه الحقيقة، أوصت بتشديد الرقابة على الأنشطة الاستخباراتية الأجنبية، ومحاولات استغلال اللاجئين والأقليات.

_ ثالثا: الاستقلال الرقمي، وخطورة الانهيار الإلكتروني، حيث شهد العالم لأول مرة تعطيل الإنترنت في دولة بحجم إيران تزامناً مع الضربات الجوية. والدرس المستفاد هو ضرورة امتلاك "سيادة رقمية" (مثل الأقمار الصناعية وشبكات البث المحلية) والدفاع عنها كمنشأة استراتيجية وحيوية...

على أي حال،

التقرير التركي ليس الوحيد الذي يحاول استخلاص الدروس من الحرب على إيران. وكلي ثقة بأن أجهزة الاستخبارات في السعودية ودول الخليج لم يغب عنها أي من المحاذير السابقة، وأنها حالياً تمر بحالة استنفار كبيرة لتقديم التقارير والتوصيات المتعلقة بظروف الحرب ونتائجها على دول المنطقة.

الفرق الوحيد أن "التقرير التركي" مُعلن ومنشور، ويمكن استعراضه واستخدامه "كخارطة طريق" للمرحلة القادمة في الصراع الإقليمي.

مرر للأسفل للمزيد