الأراء

مستقبل المسرح السعودي

فهد عامر الأحمدي

قد يكون الإغريق أول من اخترع المسرح (بشكله الحديث) ولكن الأداء المسرحي نفسه فعل إنساني تلقائي رافق ظهور البشر على كوكب الأرض. سبق اختراع اللغة المنطوقة حين كانت الإيماءات وحركات الجسد وسيلة الإنسان البدائي الوحيدة لنقل المعلومة وشرح الموقف والتعبير عن الذات.

وحتى يومنا الحاضر لا تشكل اللغة المنطوقة سوى 21% من مجمل تواصلنا مع الآخرين، وما تبقى يعتمد على قراءة لغة الجسد، وملامح الوجه، وفهم السياق، وتمثيل المواقف - وجميعها لغات مشتركة بين البشر.

نعم، قد يكون الإغريق أول من اخترع المدرج والقصة، ولكن جميع الحضارات كانت تمارس شكلاً من أشكال الأداء المسرحي المرافق للطقوس الدينية (كما في الحضارة الفرعونية) أو التجمعات الأدبية (كما في سوق عكاظ) أو شعائر الموت والحرب والزواج والحصاد في معظم المجتمعات.

ويمكن القول إن تطور المسرح بشكله الحديث حوله إلى وسيلة تعبير متكاملة جمعت كافة الفنون (من القصة والنص، إلى الأداء الجسدي والتعبير اللفظي).. تحول هذه الأيام إلى أداة فنية راقية تناقش قضايا المجتمع، وتعبر عن هموم الناس، والاستنثاء الذي يضحك فيه الحضور على من ينتقد مشاكلهم الخاصة.

والحقيقة هي أننا - في السعودية - كانت لدينا تجارب مسرحية ناجحة قبل أن تتراجع بحده خلال ما يسمى بعصر الصحوة. كانت النشاطات المدرسية تتوج في نهاية العام بمسرحيات ناجحة يؤديها طلاب يملكون مواهب واعده - ولكن للأسف لا تتم رعايتهم أو متابعتهم لاحقًا.

غير أن هذا التراجع بدأ يتوقف مع ظهور وزارة الثقافة، وبدأ يعكس اتجاهه مع ظهور هيئة المسرح والفنون الأدائية (في فبراير٢٠٢٠). فمن الأهداف العديدة المناطة بهيئة المسرح، النهوض بالقطاع المسرحي وتشجيع الاستثمار فيه ورعاية المواهب والأنشطة المسرحية من خلال دورات تدريبية وبرامج متخصصة. كما أن الهيئة هي المسؤولة حاليًا عن تطوير هذا القطاع في البلد والوصول به للعالمية - ناهيك عن وضع استراتيجية وتنظيمات تجعل المسرح المحلي أكثر تنظيماً واحترافية.

وكنت قبل أيام فقط قد تلقيت دعوة كريمة من هيئة المسرح والفنون الأدائية لحضور احتفالها السنوي باليوم العالمي للمسرح (الذي يوافق ٢٧ مارس من كل عام) بجامعة الأميرة نورة بحضور عدد من المثقفين ونجوم المسرح والمهتمين بهذا القطاع.

ومجرد احتفاء الهيئة بهذا اليوم يشي بعزمها على المشاركة في الحراك المسرحي والانفتاح على الأنشطة المواكبة في كافة الدول.. يبعث برسالة تؤكد المضي قدما لربط المسرح السعودي بالمسرح العالمي والمشاركة في قطاع يعد أبو الفنون وأقدمها وأكثرها قربًا من البشر.

– أيها السادة

يقول الأديب الليبي إبراهيم الكوني:

المسرح دنيا، يتفرج فيه الأغلبية على الأقلية..

والدنيا مسرح، تتفرج فيه الأقلية على الأغلبية.

… وهذا يعني، إما أن نكون من الفئة التي تناقش همومها على المسرح (مثل أغلب دول العالم) أو من الأقلية التي لا تستطيع (وربما لا تتجرأ) على فعل ذلك - فتصبح بالتالي فُرجه لبقية العالم …

مرر للأسفل للمزيد