الأراء

كيف تهرب من قفص الفئران

فهد عامر الأحمدي

هل تعرف قصة الفأر الذي ظل يضغط على زر المتعة حتى مات ؟!.

... هذه واحدة من أشهر التجارب في علم الأعصاب، ونجم عنها اكتشاف "مركز المكافأة" في الدماغ.. حدثت عام 1954 بجامعة "ماكجيل" بكندا، وقام بها العالمان جيمس أولدز و بيتر ميلنر وغيرت فهمنا لآلية الإدمان واللذة.

في البداية، كان هدفهما دراسة منطقة في دماغ الفأر مسؤولة عن النوم واليقظة، غير أنهما، وبالخطأ، زرعا قطباً كهربائياً في منطقة تسمى "النواة المتكئة" (Nucleus Accumbens) حيث يوجد مركز الشعور بالمتعة. وبعدها وضعا الفأر في قفص حديدي يحتوي على (زر) يرسل نبضة كهربائية إلى تلك المنطقة في دماغه، وحين اكتشف الفأر أن ضغط الزر يسبب له جرعات هائلة من اللذة، أصبح مدمناً على ضغطه _ لدرجة وصل عدد الضغطات إلى 7000 مرة في الساعة!.

وسرعان ما تسبب هذا الفعل المتكرر بإهمال الفأر لغرائزه الأساسية؛ فتوقف عن الأكل والشرب والنوم وممارسة الجنس.. أصبح يفضل الضغط على الزر والشعور بالنشوة الكهربائية، على تلبية احتياجاته والبقاء حياً .. وبعد وفاته، تم تكرار التجربة مع فئران أخرى، ماتت جميعها في النهاية بسبب الجوع والعطش والإعياء وقلة النوم!.

هذه التجارب أثبتت وجود ما يسمى بـدائرة المكافأة أو (Reward Circuit) في الدماغ، وهي آلية تشمل إفراز هرمون "الدوبامين" الذي يشعرنا بالمتعة كلما توقعنا الحصول على مكافأة. كما كشفت اسباب الإدمان، وحقيقة أن الدماغ يمكن أن يتعلق بمحفزات خطيرة أو صغيرة (مثل المخدرات، والقمار، وتطبيقات الفيديو، أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي) بحيث يهمل الانسان احتياجاته الأساسية مقابل الشعور باللذة.

وفي السنوات التالية، أظهرت الدراسات أن الدوبامين لا يمنحنا فقط الشعور بالمتعة، بل ويحفز الدافع وعدم التوقف عن ممارسة الفعل.. يجعلنا ندمن "الفعل" أكثر من النتيجة، ونسعد بتوقع المكافأة اكثر من المكافأة نفسها _ ولهذا السبب نستمر بضغط زر "التالي" في التطبيقات بصرف النظر عن النتيجة.

وهذه الحقيقة تجعلنا نعيش كالفئران داخل قفص افتراضي، وحولت هواتفنا واجهزتنا التفاعلية إلى مصدر لجرعات الدوبامين .. تحولت بفضلها إلى أجهزة خاصة بضخ هذا الهرمون، واصبحت هي ذاتها "حقنة إدمان" يصعب هجرها او حتى الابتعاد عنها.

واليوم، تعمد شركات التقنية الحديثة (وبالأخص تطبيقات التواصل الاجتماعي) إلى محاكاة "تجربة الفأر" مع مستخدميها. حولت "التجربة" إلى خوارزميات تتحكم في سلوكنا اليومي، وزودت تطبيقاتها "بزر متعة" يمنحنا نتائج لا نهائية.. خذ كمثال ميزة "السحب للأعلى" في التطبيقات التي تمنحك مقاطع فيديو لاتنتهي، وتملك خوارزميات تتعرف على اهتماماتك (من خلال توقفك عند مقاطع معينة) فتمنحك المزيد منها ..

ولأن الفأر يمل بعد فترة من التكرار، جعلوا الزر يمنحك المتعة بشكل عشوائي وغير متوقع. فبهذه الطريقة يصبح الإدمان أقوى بعشرة أضعاف، الأمر الذي يفسر رؤيتك لفيديو استثنائي أو خارج السياق بعد بضعة فيديوهات مملة (وفي اللحظة التي تقرر فيها المغادرة).

وبسبب هذه الآلية الماكرة (التي تعتمد عليها أيضاً ماكينات القمار) تستمر في سحب الشاشة لأنك لا تعرف أي "سحبة" ستعطيك الفيديو الأفضل او الجائزة الأكبر.

ورغم أننا أكثر ذكاءً من الفئران، ما زالت التطبيقات الذكية تستقطع أجزاءً كبيرة من وقتنا وحياتنا اليومية.. فأنت مثلاً تؤجل موعد نومك لأن مشاهدة "فيديو واحد أخير" تتحول إلى ساعتين، وتستمر بفتح جوالك على حساب عملك واصدقائك وحديثك مع عائلتك.

والمصيبة الأكبر أننا بمرور الوقت نحتاج إلى جرعات أكبر من الدوبامين، فنشاهد فيديوهات أكثر قسوة وشذوذاً، ونمارس ألعاب اكثر قوة وعنفاً، لنحصل على مستوى الرضا الذي كنا نشعر به قبل سنوات!.

... السؤال الذي يهمنا، وعنونا به المقال هو :

كيف نهرب من قفص الفئران؟

الجواب:

من خلال صيام الدوبامين (الذي أنصحك بالبحث عنه في جوجل) ويعتمد على مقاطعة الأجهزة الذكية لفترة معينة خلال اليوم، أو الأسبوع، أو الشهر، أو حتى أثناء السفر كما افعل أنا..

كما يمكنك تحويل الشاشة إلى "الأبيض والأسود" (خصوصاً في أجهزة أطفالك)؛ لأنك بهذه الطريقة تجعل ضغط "الزر" أقل متعة وجاذبية للدماغ.

أيضاً، من المهم أن تعود أطفالك، وتعتاد أنت نفسك على إغلاق الهاتف تماماً حين تجتمع مع عائلتك أو في بيت والدتك أو في المناسبات التي تلتقي فيها مع الناس.. ومن "الخدع" الجميلة أيضاً وضع الهاتف في غرفة أخرى لكسر الرابط بين التقاطه بشكل عفوي وضغط "الزر" بلا سبب _ خصوصاً أثناء قيامك بعمل يتطلب تركيزاً كبيراً.

أما الأجمل من هذا كله، فهو أن وصولك إلى نهاية هذا المقال (الذي لن يقرأه معظم الناس لأن المقالات الطويلة لاتمنحهم جرعات متتالية من الدوبامين) يعني أنك أصبحت أكثر وعياً وقدرة على التوقف عن ضغط الزر وقتما تريد .. لم تعد مسلوب الإرادة، ولم تعد مدمناً على سحب الشاشة؛ وستتذكر التجربة السابقة وتقول لنفسك:

"لن أتحول اليوم إلى فأر داخل قفص رقمي؟"

مرر للأسفل للمزيد