خدمة الحجاج ليست عملا إداريا عابرا، ولا مهمة موسمية تُؤدَّى في أيام معدودات، بل هي شرف عظيم، ووسام روحي وأخلاقي تتوارثه الأجيال، وتتنافس في حمل أمانته الأمم والرجال.
حين يقصد ملايين المسلمين بيت الله الحرام من أقاصي الأرض وأدانيها، فإن خدمة هؤلاء الضيوف ليست مجرد واجب تنظيمي، وإنما هي شرف الاضطلاع بخدمة ضيوف الرحمن، وهي منزلة جليلة ارتبطت في الوعي الإسلامي بالفضل والكرامة وعلوّ المكانة.
لقد عظم القرآن الكريم شأن القائمين على عمارة البيت الحرام ورعاية الحجاج، وجعل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من الأعمال ذات القدر العظيم.
وجاءت آياته لتؤكد رفعة هذا العمل ومكانته، حتى صار ذكره قرينا لأشرف الأعمال وأعظمها.
ومن السنة النبوية المطهرة ما يؤكد علو منزلة الإعانة على الطاعة وخدمة قاصدي الخير. وإذا كانت الدلالة على الخير تورث هذا الفضل العظيم، فكيف بمن يهيئ للحاج أمنه وراحته، ويسهر على صحته، ويذلل له مشقة الطريق، ويعينه على أداء نسكه في طمأنينة وخشوع؟ لا ريب أن في ذلك من الأجر ما ترجوه النفوس المؤمنة.
وقد ارتبط تاريخ المسلمين عبر القرون بأمجاد خدمة الحرمين الشريفين والحجاج. فمنذ عهد الخلفاء الراشدين، تعاقبت الدول الإسلامية على رعاية طرق الحج، وتأمين القوافل، وحفر الآبار، وإقامة المنازل والاستراحات، إدراكا منهم أن خدمة الحاج ليست شأنا خدميا فحسب، بل مسؤولية دينية وحضارية.
وقد شهدت خدمة الحجاج في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله -، وولي عهده الأمين صاحب السمو الأمير محمد بن سلمان، تطورا غير مسبوق، جعل خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من أولوياتهم الكبرى، ووضعت الحكومة الرشيدة إمكانات بشرية وتقنية ولوجستية هائلة لخدمة ضيوف الرحمن، بدءا من توسعة الحرمين، ومرورا بالبنية التحتية العملاقة، وانتهاء بالمنظومات الصحية والأمنية والتقنية المتطورة التي تسهل أداء المناسك وتقلل المشقة. وتشير الإحصاءات وتفاصيل الميزانيات الرسمية إلى ضخ مليارات الريالات في مشاريع التوسعة والتنظيم والخدمات المرتبطة بالحج، في سبيل توفير تجربة آمنة وميسرة للحجاج.
ولعل أعظم ما يمنح خدمة الحجاج شرفها أنها ليست خدمة لأناس عاديين، بل لضيوف قصدوا بيت الله ملبين، مهللين، ومكبرين.
فكل يد تمتد بالعون، وكل جهد يبذل لتخفيف المشقة، وكل ابتسامة ترسم في وجه حاج مُتعَب، إنما هي مشاركة في عبادة عظيمة، وإسهام في تيسير ركن من أركان الإسلام.
إن الأمم تعرف أحيانا بعظمة ما تخدم، وأصحاب الرسالات يعرفون بقدر ما يحملون من أمانة. وليس بعد خدمة ضيوف الرحمن شرف يداني هذا المقام؛ إذ يجتمع فيها فضل العبادة، وشرف المكان، وعظمة الرسالة، وإنسانية العطاء. لذلك ظل العاملون في الحج ــ على اختلاف مواقعهم ــ ينظرون إلى أعمالهم لا بوصفها وظائف، بل رسالة شرف، ومهمة يرجى بها وجه الله قبل كل شيء.
ومن هنا، فإن خدمة الحجاج ليست مجرد تنظيم للحشود أو إدارة للمواسم، بل هي قصة وفاء للأمانة، وصورة مشرقة من صور التكافل الإسلامي، ومدرسة إنسانية تتجلى فيها معاني الرحمة والبذل والإيثار، ليبقى شرف خدمة الحاج من أجل الأعمال قدرا، وأبقاها أثرا في الدنيا والآخرة، ومكرمة تتوارثها الأجيال وتتشرف بها القلوب.