الأراء

جديد القديم

فهد بن جابر

حينما أُمعن في الحكمة أو المثل الشعبي أراه القديم للجديد. أي أنه/أنها اختصار لخبرات الماضي للاستفادة في الحاضر أو حتى المستقبل. وأعَجب حينما أرى من لا يريد الاستفادة من تجارب من سبقه في نفس المجال، وأعني هنا استنساخ التجارب للظروف المتشابهة، وليس تطبيق القاعدة الصحيحة على الحالة الخطأ. وأشد ما أعجب منه ألّا يستفيد الشخص من تجاربه هو.

ما أحوجنا إلى إعادة ثقافة الادخار إلى عقولنا، فقد كان الآباء ومن قبلهم يعرفون الحاجة الملحة لها. في مناطقنا الجبلية والزراعية كانوا يضعون كميات من الحبوب في غرف تُنحت في مناطق صخرية - تسمى مدافن، وقبل إقفالها يُنزلون سِراجًا بحبل، حتى ينطفئ، فيقومون برفعه وإغلاقها، ولا تُفتح المخازن سوى وقت الحاجة. يعلمون أنها بعد تلك العملية لن تتعفن، ولن يأكلها السوس، وليس شرطًا حضور التفسير العلمي -منع وجود الأكسجين- المهم الادخار لمجاعة أو حاجة. وفي اليوم الموعود يَفتحون المخزن الثمين، وقبل قيامهم بإنزال رَجل بواسطة الحبال، يتركون المكان ليُبدل الهواء، ويُنزلون سِراجًا بحبل إلى الأسفل، فإن انطفأ انتظروا، وإن بقي مشتعلًا أنزلوا الرَجل. وبالتأكيد بدون فِهم التفسير العلمي لأهمية الأكسجين للسِراج، لكن من باب التجربة والخطأ.

يُسمي الصينيون النمل (ملوك الحكمة)، أليست نملة سيدنا سليمان صاحبة 8 أوامر في جملة! جعلَته يتبسم ضاحكا من قولها، وهو نبي الحكمة. فلا تكن نملة أعقل منك. الحذر من صوارف الدهر قمة الحكمة، والأمن له قاع الغباء. كنتُ في إجازة في الصيف الماضي في إحدى دول أوروبا، وكان الناس منشغلين بتقطيع كميات كبيرة من الحطب، كان الجو مقبولًا، وحين سألت أحدهم عن السبب، قال: نعتمد على الحطب في فصل الشتاء بالإضافة إلى الغاز. والوقت هذه الأيام يساعدنا على إتمام المهمة، والتأهب للشتاء الذي يَعِد بأكثر من مترين من الثلوج خاصة في قمم الجبال.

لاحظت أن بيوتهم ذات حجم صغير جدًا، وعدد الغرف قليل. السبب هو أن الغرفة تُستخدم لأكثر من حاجة! فقد تكون للمذاكرة نهارًا، وللنوم ليلًا. وما يُسمى بالصوفة يمكن أن تصبح سريرًا؛ لأنك لن تكون مستيقظًا ونائمًا في ذات الوقت. وتذكرت أننا كنا نفعل ذلك في صغرنا. لم تكن هناك غرفة تسمى (مقلط)! غرفة تستخدم فقط لإطعام الضيوف، وبعد ذلك لا قيمة لها. لقد كنّا نقوم بتحضير الوليمة إما في المجلس أو في أي غرفة أخرى، وليس المقلط المستحدث.

كان كلٌ منَّا (الإخوة الأربعة) ننام في نفس الغرفة، ثم يقوم كل منَّا -أيضًا- بترتيب فراشه، ووضعه في زاوية الغرفة؛ ليكون هناك متسع للمذاكرة والجلوس وووو.

الكل في بعض الدول -ولنقُل العاقل منهم- يدّخِر من مصروفه اليومي؛ ليسافر ويستمتع بإجازته السنوية، وهناك خطة أكبر وهي الادخار لسفرة العمر بعد التقاعد؛ ليشتري له منزلًا ويعيش بقية حياته وشريكته في جزيرة.

الطفرة هي ما أفسدنا، على الأقل الأغلب من جيلي المخضرم الذي عايش جزءًا من القديم، وعاش الكثير من الجديد. قبل فترة بدأت تتكشف لي أسباب غضب آباء ذلك الجيل من أبنائهم؛ بسبب تبذير في نظرهم، وتصرف عادي من أفراد جيلي. الآن أرى نفس الشيء يتكرر مع أبنائي، فهم لا يعرفون كيف كان الوضع في السابق. لا يعلمون أننا كنا نتقاسم قطعة الحلوى، ونتشارك السرير، وحينما تكون الملابس غير مناسبة للأكبر، فهي حتمًا مناسبة لمن يَخلفُه، وإن كانت أطول بشيء يسير، لا بأس بها، وإلا فإنها تُحفظ لليوم المناسب. الكثير والكثير من الأشياء. قد لا يعي الجيل الجديد ما أعنيه حرفيًّا، لكن على الأقل يجب أن يستفيد من خبراتنا وخبرات كل السابقين.

وكل ما ذكرتُه هو للحياة الدنيا، ويجب أن ندّخر للآخرة أهم من حبوب البُر، والملابس التي ستبلى يومًا ما.

مرر للأسفل للمزيد