لن أكون حزيناً في حال سقط نظام الملالي في إيران، ولكنني في نفس الوقت لا أتوقع قدرة الحرب الحالية على تغيير النظام الحالي في طهران، لثلاثة أسباب رئيسية:
- السبب الأول: يعرفه قادة الجيوش منذ آلاف السنين، وهو أنه لا يمكنك احتلال أي دولة وتغيير النظام فيها بدون اجتياح بري وسيطرة واقعية (على الأرض).. فأمريكا، رغم صواريخها الذكية في العراق، وقنابلها النووية فوق اليابان، ومبيداتها السامة فوق غابات فيتنام، وقاذفاتها الثقيلة التي دكت برلين وديرسدن، لم تستطع الإطاحة بأي نظام، إلا حين يترافق (القصف) مع دخول قواتها البرية وسيطرتها على (الأرض). القصف الجوي قد يدمر القدرات العسكرية للعدو، ولكنه لا يلغي نظام الحكم ولا يدمر تسلسله الهرمي - ناهيك عن تجذره الثقافي والديني في عقول الغالبية.. يمكنهم الاستمرار بالقصف لأسابيع وأشهر ولكن الحرب في ألمانيا لم تنتهِ إلا بعد اقتحام برلين، ولم تنتهِ في اليابان إلا بعد اقتحام طوكيو، ولم تنتهِ في العراق إلا بعد دخول بغداد...
وبما أن أمريكا لا تنوي فعل ذلك في إيران، وبما أنها قتلت مقدماً رمز النظام (الخامنئي) يمكنها تدمير ما تشاء بصواريخها الذكية، ولكنها لن تنجح في اقتلاع جذور النظام ذاته من طهران..
- أما السبب الثاني: فهو أن نظام الملالي الإيراني لا يعتمد على وجود المرشد فقط (كما كان الحال في العراق مع صدام حسين، وفي فنزويلا مع نيكولاس مادورو، وفي سوريا مع بشار الأسد).. فهو نظام ديني متسلسل ومتجذر، ويعتمد على فكرة تسليم زمام الحكم لطبقات تحته تؤمن بنفس الأفكار.. فعند غياب المرشد يأتي نائب المرشد، ثم مجلس الخبراء (المكون من 88 فقيهاً ينتخبون المرشد حتى ينتهي آخرهم)، ثم القيادة السياسية، ثم الحرس الثوري - مع إعطاء كل محافظة صلاحية الحكم في منطقتها في حالة الحرب (وهو ما يحدث فعلياً هذه الأيام)..
وهذا بخصوص الشق السياسي، أما بخصوص الشق العسكري فيحق للحرس الثوري إدارة المعركة بمعزل عن السلطة الحاكمة في حال زوالها أو تعثر التواصل معها - وهو أيضاً ما يحدث هذه الأيام، ويفسر قصف دول الخليج بدون استشارة القيادة العليا في طهران..
والحقيقة هي أن الحرس الثوري يتولى حالياً استراتيجية تفكيك "الدولة المركزية" واستبدالها بنظام "المحافظات ذاتية الإدارة" التي تمتلك كوادر عسكرية ومدنية مستمدة من عناصر الحرس نفسه. وهذه "الخلطة" الإدارية والأمنية تُصعب مهمة إسقاط النظام كونها تتطلب "تفكيك" كل محافظة على حدة في معارك استنزاف برية طويلة لن تتحملها أمريكا ولن تقدر عليها إسرائيل.
- أما السبب الثالث: فهو أن أمريكا ادعت منذ البداية أنها بدأت هذه الحرب من أجل "تحرير" الشعب الإيراني، وأنها تعول على قيام ثورة جماهيرية تغير نظام الملالي من الداخل (حسب ما صرح به ترامب)..
ولكن ماذا لو لم تقم مثل هذه الثورة؟ ما هي خطة أمريكا البديلة لإنهاء هذه الحرب؟
لا توجد خطة بديلة...
هذا ما يصرح به خبراء السياسة في أمريكا نفسها...
والمشكلة أننا حتى اليوم لم نسمع عن أي مظاهرات أو مطالبات أو حتى أعمال شغب قامت داخل إيران لتغيير النظام...
على العكس تماماً، ارتفعت في إيران مشاعر التأييد واللحمة الوطنية، وأصبح غضب المدنيين داخلها (بعد أن كان موجهاً ضد نظام المرشد) موجهاً ضد أمريكا وإسرائيل ودول الخليج.. أصبح رجل الشارع ينظر للحرس الثوري كآخر درع وطني يحمي إيران، والسد الأخير أمام أطماع الغرب والصهيونية العالمية - التي لم تخفِ هي الأخرى دوافعها الدينية في شن الحرب على إيران...
الحقيقة هي أن التعويل على انفجار ثورة جماهيرية، وحدوث التغيير (من الداخل) هو احتمال ضعيف وبعيد المنال.. احتمال ضعيف يتم طرحه للاستهلاك الإعلامي فقط، وبعيد المنال لدرجة أن أمريكا وإسرائيل تقتربان في كل يوم من ورطة عسكرية وأخلاقية يصعب تلافيها .. هل نستمر بالقصف والتدمير بلا نهاية، أم نتوقف ونعلن صراحة فشلنا في تغيير النظام!!
... السيناريو الأقرب لحفظ ماء الوجه هو، اضعاف النظام عسكريا واقتصاديا، ولكن مع المحافظة عليه كدوله هشه تناسب اسرائيل، وتسمح لامريكا بالبقاء في المنطقة كشرطي مراقبه...