الأراء

نقرة العصفور.. فن إدارة الوقت المهدور

د. عبدالله القفاري

تأمل العصفور حين يقف على غصن الشجرة أو على حافة نافذتك، فلا يأخذ طعامه دفعة واحدة ولا ينتظر وليمة كاملة تقدم إليه، وإنما ينقر نقرة صغيرة ثم يلتفت يمينا ويسارا ثم ينقر نقرة أخرى وهكذا حتى يشبع ويطير لا يستعجل ولا يتوقف ولا يحتقر الحبة الصغيرة؛ لأنه يدرك بفطرته أن النقرات المتتابعة هي التي تصنع الوجبة الكاملة.

هذا تماما ما يحتاجه رائد الأعمال في مراحل بناء مشروعه، فالوقت الذي نظنه ضائعا ومتفرقا في ثنايا اليوم هو في حقيقته حبات صغيرة منثورة تنتظر من ينقرها بوعي بدلا من أن يتركها للريح.

في مراحل بناء الشركات الناشئة والمشاريع يصبح الوقت أثمن مورد يملكه رائد الأعمال، وكثير من الناس يظنون أن الإنتاجية مرتبطة بالجلوس الطويل خلف المكتب وانتظار الساعات المفتوحة الخالية من المشاغل، وهذا تصور قاصر لا يعكس طبيعة العمل الحديث ولا يناسب من يبني مشروعه في مراحله الأولى.

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن اليوم مليء بفجوات زمنية تذهب هدرا دون أن نشعر بها، وحين نجمع هذه الفجوات على مدى أسبوع أو شهر نكتشف أننا أضعنا ساعات حقيقية كان يمكن أن تصنع فرقا جوهريا في تقدم المشروع وفي بناء المنتج وفي خدمة العملاء.

الفكرة هنا ليست أن تعمل أكثر ولا أن ترهق نفسك فوق طاقتها، وإنما أن تستخدم وقتك بوعي العصفور الذي لا يضيع نقرة واحدة، فالفصل الصارم بين وقت العمل ووقت الحياة قد يبدو مثاليا في الكتب، لكنه في الواقع مكلف جدا في مراحل التأسيس حيث كل دقيقة لها وزنها وكل نقرة صغيرة تتراكم لتصنع نتيجة كبيرة.

نقرات تناسب اللحظات القصيرة

العصفور لا يحاول أن يأكل الرغيف كاملا في نقرة واحدة، وأنت كذلك لا تحاول أن تنجز المهام الثقيلة في الفجوات الصغيرة، وإنما هذه اللحظات تصلح فقط للأعمال الخفيفة التي تنجز عبر الجوال أو الرسائل ومن أبرزها:

• الرد على رسائل الواتساب المتعلقة بالعمل والعملاء.

• مراجعة البريد الإلكتروني والرد على الرسائل القصيرة.

• كتابة تغريدة أو منشور قصير لوسائل التواصل.

• تسجيل ملاحظة صوتية لفكرة مقال أو محتوى قادم.

• الرد على استفسارات في مجال الاستشارات والكوتشينج.

• استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد أفكار أولية لمنتجك أو شركتك الناشئة.

أغصان ينقر عليها العصفور الذكي

كما أن للعصفور أغصانه المفضلة التي يقف عليها، فإن لرائد الأعمال أماكنه التي يستثمر فيها لحظاته الصغيرة وأبرزها:

• السيارة حين يقودها سائق فهي وقت ممتاز للكتابة والرد.

• الباصات والقطارات أثناء التنقل اليومي بين المدن أو داخل المدينة.

• قاعات الانتظار في المستشفيات والمستوصفات والمراكز الحكومية.

• لحظات الانتظار أمام باب المدرسة حين تنتظر خروج الأبناء.

• الأسواق حين ترافق الأهل في تسوقهم وتجد نفسك في فترة انتظار.

• الاستراحات القصيرة بين الاجتماعات والمواعيد.

• لحظات الصمت حين يكون من حولك منشغلين بأمور أخرى.

حين تعتاد على نقر هذه اللحظات تتراكم الإنجازات بشكل مدهش، فتجد نفسك بعد أشهر قد كتبت مقالات ونشرت محتوى وخدمت عملاء وقطعت خطوات متقدمة في بناء منتجك، دون أن تشعر أنك أرهقت نفسك أو سرقت من وقت أسرتك شيئا.

البديل الذي يمارسه أكثر الناس هو تصفح مقاطع غير مفيدة في وسائل التواصل، وهذا الخيار لا ينقر فيه الإنسان حبا نافعا وإنما ينقر سرابا يسرق وقته، ويترك خلفه شعورا بالإرهاق الذهني دون أي إنتاج حقيقي يذكر.

حدود لا ينقرها العصفور الحكيم

يبقى أمر مهم لا بد من التنبيه عليه، وهو أن قانون نقرة العصفور لا يعني أبدا أن تستبدل الوقت النوعي مع الأبناء أو الزوجة أو الوالدين بالعمل، فهذه أوقات مقدسة لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة، والقاعدة واضحة وهي:

• انقر في اللحظات التي تكون فيها وحدك.

• انقر في الأوقات التي يكون الجميع من حولك منشغلا بأموره الخاصة.

• لا تقترب أبدا من الأوقات المخصصة للعلاقات الأسرية والاجتماعية.

وأخيرا.. نقرات العصفور الصغيرة حين تتراكم هي التي تشبعه وتعينه على الطيران، ونقراتك الصغيرة في لحظات يومك المهدور هي التي تصنع الفرق الحقيقي في رحلة البناء، وتميز بين من يصل ومن يبقى يدور في مكانه ينتظر الوليمة الكاملة التي لا تأتي أبدا.​​​​​​​​​​​​​​​​

مرر للأسفل للمزيد