تبدأ الأحساء صباحها برائحة القهوة السعودية الممتزجة بنسيم النخيل، حيث تصحو المدينة على إيقاع لا يشبه سواها. في طريقي نحو سوق القيصرية وسط الهفوف، كان يرافقني معاذ الحواس، أحد أبناء الأحساء الذين يعرفون تفاصيلها القديمة، يقودني بين أزقتها الحجرية كمن يعيد اكتشاف ذاكرة المكان. قال مبتسمًا وهو يشير إلى بوابة السوق الخشبية العتيقة: "هنا كانت بداية الحكاية، السوق هذا عمره أكثر من مئة عام، وهو يجمع الناس من كل القرى والمذاهب، الكل له فيه ذكرى".
في عمق القيصرية، تتداخل أصوات الباعة وضحكات الزوار وروائح العطور والهيل والتمر؛ مشهد يومي يعبر عن تنوع الأحساء الاجتماعي دون شعارات. تجلس أم ناصر، وهي سيدة خمسينية تدير متجرًا صغيرًا للأقمشة النسائية، ترفع رأسها من خلف طاولة البيع وتقول: "من ثلاثين سنة وأنا أفتح المحل كل صباح. أشوف الناس من كل الأطياف، السنة والشيعة يجون بابتسامة، ويسلمون كأننا عائلة واحدة". بجانبها يمر عبد الله الصالح، أحد تجار السوق القدامى، يحييها قائلاً: "السوق يجمعنا، والرزق واحد. هنا الكلمة الطيبة أهم من البيع والشراء"[cite: 1]. وفي الزاوية المقابلة، ينادي علي الجبران زبائنه ليتذوقوا تمر "الإخلاص" الطازج، قبل أن يعلق مبتسماً: "في الأحساء الناس يختلفون في الأذواق، لكن قلوبهم وحدة. الكل يشتري من الكل، والنية طيبة". السوق يبدو كأنه رواية تُروى كل يوم؛ حيث يمتزج التاريخ بالتسامح، وتغدو العلاقات الإنسانية أقوى من أي فروقات مذهبية أو اجتماعية.
من القيصرية نتجه شمالاً نحو مبنى دائرة الأوقاف والمواريث، التي تعنى بشؤون الطائفة الشيعية، فيما تقع المحكمة العامة في الجهة الأخرى لتخدم السنة. المشهد طبيعي هنا، لا يثير تساؤلاً بل يروي انسجاماً عمره عقود. يقول إبراهيم الحسين، مستشار قانوني في الأحساء: "العدالة في الأحساء تمارس بوعي يحترم الجميع. كل طائفة تعامل وفق نظامها الفقهي، لكن الكل تحت مظلة واحدة من الإنصاف والمواطنة". ويضيف: "هذا التوازن خلق ثقة في المجتمع، فالناس تشعر أن الدولة قريبة من حياتهم وتحترم تنوعهم".
مع حلول المساء، رافقني معاذ إلى مقهى السيد الشعبي شرق الهفوف على مقربة من عين الخدود التي تتدفق مياهها بين النخيل. الطريق إلى هناك يمر وسط بساتين تغمرها رائحة الرطب (التمر) ونسيم المساء الأحسائي العذب. يقول معاذ وهو يشير إلى الأفق: في تفاصيل الحياة اليومية هنا، لا يبدو الاختلاف أمرًا طارئًا، بل امتدادًا لما اعتاده المكان عبر الزمن؛ في الأسواق، في المجالس، وفي اللقاءات العابرة، يتجاور الناس كما فعلوا دائمًا، باختلاف خلفياتهم وتباين تجاربهم. هذا التعايش لم يُصنع حديثًا، لكنه اليوم يجد مساحة أوسع للتعبير والظهور، في ظل التحولات التي تعيشها المملكة، حيث تتقاطع هذه الصور مع روح رؤية السعودية 2030 التي تعزّز حضور التنوع بوصفه عنصر إثراء، وتفتح له آفاقًا جديدة في الحياة اليومية.
هنا، في الأحساء، لا يبدو التنوع فكرة تُقال بقدر ما هو مشهد يُرى؛ أشخاص من خلفيات وثقافات بل وحتى معتقدات مختلفة، يتشاركون المكان نفسه بهدوء. وبين النخيل والماء ورائحة القهوة السعودية، يتشكل هذا التعايش دون صخب.. كأن الاختلاف لم يكن يومًا سببًا للفرقة، بل طريقة أخرى ليكون الناس أقرب، رغم كل ما بينهم من تباين.
داخل المقهى، تتداخل رائحة القهوة مع أصوات الأحاديث الدافئة، وضحكات الزوار الذين جاءوا من القرى المجاورة أو من خارج الأحساء. يجلس السيد علي صاحب المكان، يسكب القهوة في فناجين صغيرة ويقول: "هنا يجلس السني بجانب الشيعي، والتاجر بجانب الشاعر، والكل يشرب القهوة من نفس الدلة. القلوب أوسع من الفوارق". على الطاولة المقابلة كان معاذ الحواس يتأمل المشهد بصمت قبل أن يقول: "المكان هذا يشبه الأحساء تمامًا؛ بسيط، دافئ، ويجمع الناس بدون ما يسأل عنهم. يمكن لهذا السبب الناس تحبه، لأنه يحكي قصتنا كل يوم". يعلو صوت فناجين القهوة وهي تُعاد إلى الصواني النحاسية، ويختلط مع أنغام العود التي يعزفها أحد الزوار. الجو مفعم برائحة الهيل وصوت الذاكرة، كأن الأحساء كلها تجلس هنا في هذا المقهى، تحت سقف من الخوص والخشب، تشرب من دلة واحدة وتروي حكاية التعايش على طريقتها.
مع غروب الشمس، ينعكس اللون الذهبي على مآذن المساجد ومآتم الحسينيات المتجاورة. يمر الناس أمامها بهدوء يتبادلون السلام بلا تكلف ولا تصنع، كأن التعايش جزء من جيناتهم المتوارثة. يقول معاذ وهو يودعني أمام السوق: "الأحساء تشبه نخيلها، جذورها في الأرض وضلوعها في السماء؛ الناس هنا متجذرين في الطيبة، ما يعرفون إلا السلام".
في تفاصيل الحياة اليومية هنا، لا يبدو الاختلاف أمرًا طارئًا، بل امتدادًا لما اعتاده المكان عبر الزمن؛ في الأسواق، في المجالس، وفي اللقاءات العابرة، يتجاور الناس كما فعلوا دائمًا، باختلاف خلفياتهم وتباين تجاربهم. هذا التعايش لم يُصنع حديثًا، لكنه اليوم يجد مساحة أوسع للتعبير والظهور، في ظل التحولات التي تعيشها المملكة، حيث تتقاطع هذه الصور مع روح رؤية السعودية 2030 التي تعزّز حضور التنوع بوصفه عنصر إثراء، وتفتح له آفاقًا جديدة في الحياة اليومية.
هنا، في الأحساء، لا يبدو التنوع فكرة تُقال بقدر ما هو مشهد يُرى؛ أشخاص من خلفيات وثقافات بل وحتى معتقدات مختلفة، يتشاركون المكان نفسه بهدوء. وبين النخيل والماء ورائحة القهوة السعودية، يتشكل هذا التعايش دون صخب… كأن الاختلاف لم يكن يومًا سببًا للفرقة، بل طريقة أخرى ليكون الناس أقرب، رغم كل ما بينهم من تباين.