Menu


فهد بن جابر

وجّه النزعة

الأحد - 13 ربيع الأول 1441 - 10 نوفمبر 2019 - 01:23 م

هنالك خمسة أقوال في سبب تسمية (الإنسان) إنساناً، وأنا ممن يرى بأنها من الأُنس، لأنه يأنس بغيره ويعيش في مجتمعات، وليس وحيداً كالوحش.

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي صححه الألباني «المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناس ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ»؛ لذلك لستُ بصدد محاولة نسف صفة الاجتماع، بل في محاولة تخيُل حدود للمقبول منها، وغير المقبول.

أوردَ كتاب -الإنسان ذلك المجهول- ما مفاده: (أنه كلما زادت النزعة للجماعة؛ ضعُف الفرد) مبرراً ذلك بأن الاعتماد على الجماعة لا يُطور الفرد، وامتدادًا لذلك؛ فإن حالة اعتماد الفرد على ذاته تقويه، وتُضعف الحاجة للجماعة، كانت الحاجة للانتماءات خلال فترة ما قبل الدولة المدنية حاجة مُلحة، بل ماسة؛ فاشتد عصب العصبية، وتباينت تعرجات العروق، وحتى لا يكون هنالك ضعيف -أو أضعف- نشأت الأحلاف، وفي ظل دولة توفِر الأمن وتقيم الحدود فقد انتهت تلك الحاجة للتعصب، ولا أقصد بذلك دعوة لهجر معرفة النسب، ولا تهميش التأريخ.

ومن الواقع المشاهَد -بالنسبة لي على الأقل- فإن الذِين لا يزالون يركنون إلى الجماعة أكثر الاعتماد على النفس، في مصافٍ متأخرة عن الذين يوْلون الفرد الأهمية لا الجماعة، والعجيب أن أولئك الأفراد، أشد حرصاً على المصلحة العامة من أولئك الجماعات، والسبب أن النزوع لواجب الفرد، وتحمُّل المسؤولية لا يقتضي بالضرورة إهمال الحق العام، وعلى العكس من ذلك فإن النزوع للجماعة، يُقدم مصلحتها على مصلحة الفرد، وعليه فإن مصلحتها مُقدَمة على مصلحة أي جماعة أكبر.

ولا يقتصر ذلك على البشر فقط؛ فترى الحيوانات التي تعيش في جماعات، أو طيور في أسراب ذات طبائع اجتماعية عالية على حساب إمكانيات الفرد، كالضباع، والقرود، والذئاب والكلاب البرية، على العكس من ذلك ترى أن الحيوانات ذات الطابع الفردي كالنمر وطائر العقاب أصحاب مهارات استثنائية.

من الملحوظ أن من لا يزال متمسكاً بالجماعة، مهملاً مكوّنَ الجماعة الأولي (الفرد)، سيظل متقوياً بها، وهو بذلك يعيش دور أحد خيوط بيت العنكبوت، الواهن لوحده، القوي بغيره، وعلى النقيض تماماً، تجد أن صاحب الإنجازات الاستثنائية، لم يكن مكوّن الجماعة أحد عناصر معادلته البتة.

المتميزون دوماً هم من يَخرجون ويُخرجون من السرب، كأمثال ابن سينا والرازي ومصطفى محمود وغازي القصيبي و و و..

لا بد من نزعتين لكل لشخص، إحداهما للداخل والأخرى للخارج، وعلى ذلك تكون النتيجة.

الكلمات المفتاحية