Menu


فرحان حسن الشمري

دائرة وصندوق

الأربعاء - 17 صفر 1441 - 16 أكتوبر 2019 - 04:39 م

عمل إطار وتحديد صورة أو رسم آلة أو قطعة أثاث‪ يعتبر شيئًا جميلًا ومشوقًا، ووضع الأشياء في صندوق للترتيب قد يكون كذلك أيضًا. ولكن إسقاط ذلك على فلك الأفكار ومدارات الحياة لا يعتبر صحيحًا.

حيث وجد علميًّا أن إلكترون الذرة في حركة مستمرة، ويتأثر بالموجات والمجالات في تحديد اتجاهها وسرعتها، وقد يخرج من الذرة نفسها ويكوِّن ذرة جديدة، ويتوسع الأمر.. وهكذا فإذا قبلنا إسقاط ذلك جدلًا على الأفكار والتفكير، قد يفسر التفاعل الإنساني مع محيطه والحركة المستمرة لأفكاره ومعتقداته وتأثرها بمحيطها، وبما يقتضيه أمرها من تعاطٍ.

‪ كثيرًا ما حاولت بعض المصطلحات التي تبناها البعض وناظر لها أيضًا، والتي تصب في تأطير أفكارنا ومن ثم سلوكنا -ولعل أكثرها شيوعًا دائرة الراحة والتفكير خارج الصندوق، وغيرهما مما لا يحضرني الآن- ومثل هذه المصطلحات تعتبر سلبية، ومن حيث إنها تأطيرية (وضع حدود) والتي أضحت مع الأسف عناوين لكتب ومحاضرات ودورات أيضا وهنا نذكر ونستحضر قول الله تعالى: (ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا).

ولشرح ذلك أن مكمن الإشكال في تبني هذا المصطلحات وأنها بصيغة خفية تأخذ شكل مبادئ أو قيم (‪Concepts or values)، ‪وهو ما يكون لا شعوريًّا بحيث يتقبلها العقل الباطن ومن ثم يبنى عليها سلوكيات من حيث خلق برمجة قد يكون من الصعوبة بمكان إزالتها أو التخفيف من آثارها على المدى البعيد.

وهنا نقول أيضًا إن تحديد ما لا يُحدَّد، وتأطير ما لا يؤطر -وهو الفكر والتفكر الذي هو هبة ربانية وميزة ميز الله بها خلقه، وفاضل بها بعضًا على بعض- وعليه فهذه المصلحات لا تلغي التفكير وتوق الإنسان للوعي والاستكشاف والمغامرة والمبادرة؛ لأن ذلك أمر فطري، لكنها تعطل وتقلل -مع الأسف- من التفاعل على المستوى الفكري وتستمرئ التكاسل وتراخٍ والتسويف على المستوى السلوكي كنتيجة.

ومن الجدير بالقول أنها تطرح إشكالية، وهي ليست مشكلة لتعترف بها ثم تحلها كما روج البعض، ولكنها تنبني واستمراء أنت من يقرره ويعظمه، ومن في النهاية يتجلى في سلوكه كما أسلفنا من تراخٍ وتكاسل ووهن.

وأخيرًا وليس آخرًا، الفكر والتفكير هبة من هبات ربنا الحكيم، لا يحدها دائرة أو إطار، ولا توضع في صندوق.

 

الكلمات المفتاحية