

تشهد المواقف الدولية تصاعدًا واضحًا في رفض دعم التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ما يعكس توترًا في العلاقات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، وتشير التحليلات إلى أن هذا الرفض ليس مجرد موقف رمزي فقط، بل يعكس مخاوف استراتيجية حقيقية من تصعيد عسكري قد يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي خطوة تعكس تحفظ أوروبا على الانخراط في النزاع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، امتنعت دول عدة، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وسويسرا، عن السماح للطائرات الأمريكية بالعبور أو الهبوط في أجوائها وأراضيها، ولم يقتصر الموقف على ذلك، بل رفضت دول في حلف الناتو، إلى جانب بريطانيا وأستراليا وعدد من الدول الأخرى، الطلبات الأمريكية المتكررة للمشاركة في تأمين الملاحة بمضيق هرمز أو الانخراط في العمليات العسكرية.
ويشير مراقبون إلى أن الولايات المتحدة تواجه تحديًا متزايدًا في حشد الدعم الدولي لعملياتها في المنطقة، ويضع هذا التحدي واشنطن أمام مأزق دبلوماسي عميق، يقلل من فعالية استراتيجيتها العسكرية ويجعل خياراتها أكثر محدودية في ظل غياب دعم حلفائها.
المواقف الأوروبية ومحدودية التعاون
تحرص الدول الأوروبية في عدم الانخراط المباشر في الحرب ودعم الانزلاق في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، هذا التحفظ يعكس حسابات دقيقة بشأن المخاطر السياسية والاقتصادية، كما تسعى هذه الدول للحفاظ على قنوات دبلوماسية قد تسهم في تخفيف التوترات المحتملة.
هذا الانسحاب التدريجي للدعم الأوروبي يقلل من قدرة الولايات المتحدة على استخدام قواعد جوية أوروبية أو خطوط إمداد سهلة للعمليات العسكرية، مما يزيد الضغط على واشنطن لتعديل خططها التشغيلية.
المحللون يرون أن أوروبا تفضل إدارة الأزمة عبر أدوات دبلوماسية بدلاً من الانخراط العسكري المباشر وهذا يعكس إدراكًا لأهمية الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة.
استراتيجية حلف الناتو
رفضت الدول الأعضاء في حلف الناتو، إلى جانب بريطانيا وأستراليا ودول أخرى، الانخراط في العمليات العسكرية ضد إيران، ويستند هذا الموقف إلى الطبيعة الدفاعية للحلف، حيث يقتصر دوره على حماية الأعضاء في حالات الهجوم المباشر، وفق المادة الخامسة من ميثاقه، دون الانخراط في عمليات هجومية.
ويعكس هذا الرفض تحفظ الدول بشأن تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية أوسع مع تداعيات اقتصادية على أسواق النفط والملاحة البحرية.
تصريحات القادة وتأكيد سيادة القرار
المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان من أبرز من شددوا على أن الناتو هو تحالف دفاعي وليس هجومي، ما يجعل مطالب واشنطن بالاشتراك في عمليات ضد إيران غير متوافقة مع مواثيق الحلف.
وفي فرنسا، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن بلاده ليست طرفًا في النزاع الأمريكي الإيراني، وأن أي مشاركة فرنسية في عمليات مضيق هرمز تقتصر على ضمان استقرار المنطقة وليس على دعم هجومي. وأكدت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية، كاثرين فوتران، أن فرنسا تعتمد سياسة دفاعية بحتة، مع التركيز على الحلول الدبلوماسية لتجنب التصعيد وإعادة الاستقرار للشرق الأوسط.
أما رئيس وزراء المملكة المتحدة، كير ستارمر، فقد أكد أن بلاده لن تنخرط في النزاع الإيراني، مشددًا على أن موقف المملكة المتحدة ثابت، فحرب إيران ليست حربنا ولن ننجر إليها، وأنها لن تذعن لأي ضغوط كانت، وستستمر في الدفاع عن حلفائها وحماية مصالحها في المنطقة.
ومن جانبها شددت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، على أن أوروبا لن تتحمل تبعات قرارات أحادية الجانب من واشنطن، وأن الرئيس الأمريكي مسؤول فقط عن بلاده وليس عن دول الاتحاد الأوروبي.
تداعيات الموقف الدولي على واشنطن
يضع تراجع الدعم الدولي الولايات المتحدة أمام تحد مزدوج بين محدودية الخيارات العسكرية بسبب نقص التعاون الدولي، وتعقيدات دبلوماسية تتطلب التركيز على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي بدل الاعتماد الكلي على القوة العسكرية.
ويشير مراقبون إلى أن أي تحرك أحادي قد يضعف التفويض الدولي ويزيد احتمالات التصعيد الإقليمي، مما يجعل الحلول الدبلوماسية أكثر ملاءمة لتجنب صراعات طويلة ومكلفة.