سحبت الولايات المتحدة جميع قاذفاتها من طراز «بي-1» من قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وفق ما أكده البنتاغون أمس الأحد، وذلك على خلفية حادثة غامضة دفعت السلطات البريطانية إلى إجلاء سكان من المناطق المحيطة بالقاعدة، قبل أن تشير واشنطن إلى أن عملية السحب جاءت لدواعٍ أمنية.
لكن القصة أعادت تسليط الضوء على هذه القاعدة الواقعة في مقاطعة غلوستشير جنوب غربي إنجلترا، والتي تتجاوز أهميتها كونها منشأة عسكرية أميركية على الأراضي البريطانية، إذ تعد من أبرز مواقع انتشار القاذفات الاستراتيجية الأميركية خارج الولايات المتحدة.
موقع استراتيجي للقاذفات الأمريكية
تحتل فيرفورد موقعاً متقدماً في الاستراتيجية الجوية الأمريكية، باعتبارها المرفق الأوروبي الرئيسي لنشر وتشغيل القاذفات الثقيلة بعيدة المدى.
كما تعد من المنشآت النادرة في أوروبا التي جرى تجهيزها لاستقبال مختلف أنواع القاذفات الاستراتيجية الأميركية، سواء تلك المخصصة للمهام النووية أو التقليدية، ومن بينها «بي-52 ستراتوفورتريس» و«بي-1 بي لانسر» و«بي-2 سبيريت» الشبحية.
وتضم القاعدة مدرجاً من أطول المدارج العسكرية في بريطانيا، يبلغ طوله نحو ثلاثة آلاف متر، إلى جانب حظائر مجهزة بأنظمة تحكم مناخي تساعد في أعمال صيانة وتجهيز الطائرات، بما فيها القاذفات ذات التقنيات الشبحية المتقدمة.
ولا تقتصر وظيفتها على استضافة الطائرات، إذ تستخدم أيضاً كنقطة لإعادة الانتشار والتزود بالوقود والانطلاق في مهام بعيدة باتجاه الشرق الأوسط وشرق أوروبا وشمال أفريقيا، دون الحاجة إلى العودة إلى القواعد الموجودة داخل الأراضي الأمريكية.
وتستضيف فيرفورد كذلك الجناح 501 لدعم القتال والسرب 420 للقواعد الجوية، كما تؤدي دوراً في التدريبات المرتبطة بالردع الاستراتيجي والحفاظ على التوازن العسكري ضمن حلف شمال الأطلسي.
حضور في الحرب على إيران
برزت أهمية فيرفورد بصورة أكبر خلال المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما استخدمتها القوات الأمريكية كنقطة انتشار متقدمة لقاذفات «بي-52» و«بي-1».
وبحسب المعلومات الواردة، انطلقت قاذفات أميركية من القاعدة لتنفيذ ضربات جوية ضد مواقع ومنصات إطلاق صواريخ داخل إيران، بعد موافقة الحكومة البريطانية على منح واشنطن التسهيلات اللازمة لاستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الأراضي البريطانية في دعم العمليات ضد أهداف إيرانية.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد حذر في وقت سابق من أن أي قاعدة عسكرية تستخدم في شن هجمات على إيران ستصبح «هدفاً مشروعاً».
القاعدة العسكرية التي تتحول إلى مهرجان
ورغم الطابع العسكري شديد الحساسية لفيرفورد، فإن للقاعدة جانباً مختلفاً تماماً ربما يكون الأقل شهرة بين المعلومات المرتبطة بها.
ففيرفورد تستضيف «المهرجان الدولي للوشم الجوي»، وهو أكبر عرض جوي عسكري في العالم، بحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
وكلمة «الوشم» في اسم المهرجان لا علاقة لها بالرسم على الجلد، وإنما تعود إلى تعبير عسكري هولندي قديم هو «دو دن تاب تو»، كان يستخدم في القرن السابع عشر للإشارة إلى النداء الذي يطلب من أصحاب الحانات إغلاق الصنابير وعودة الجنود إلى ثكناتهم، قبل أن يتطور المصطلح ليشير إلى المهرجانات والعروض العسكرية الجوية.
وتتحول القاعدة، التي تخضع عادةً لإجراءات أمنية مشددة وتستضيف قاذفات استراتيجية متطورة، لعدة أيام كل عام إلى وجهة جماهيرية ضخمة، حيث تجتمع مئات الطائرات العسكرية والمدنية القادمة من أكثر من 30 دولة، فيما يستقطب المهرجان ما بين 150 ألفاً و200 ألف زائر.
ويمنح الحدث المدنيين والمصورين فرصة نادرة لمشاهدة الطائرات العسكرية عن قرب والتقاط صور لها ولمنشآت القاعدة، في مشهد يختلف تماماً عن طبيعتها شديدة السرية خلال بقية أيام العام.
حادثة غامضة وإخلاء عشرات المنازل
أما الحادثة التي أعادت في الأيام الأخيرة قاعدة فيرفورد إلى واجهة الأحداث، فبدأت عندما استُدعيت الشرطة البريطانية إلى الموقع، عقب بلاغ من مزارع محلي تحدث عن ثلاث شاحنات صغيرة كانت تسد أحد الطرق، إلى جانب نشاط وصفه بالمريب لمجموعة من الرجال.
وأدى البلاغ إلى إخلاء 85 منزلاً في محيط القاعدة، التي سبق استخدامها في العمليات العسكرية ضد إيران.
وتعددت التكهنات بشأن طبيعة الحادث، بين احتمال وجود تهديد إرهابي أو محاولة لسرقة الوقود، خصوصاً مع وصول أسعار الوقود في بريطانيا إلى مستويات قياسية خلال الأسبوع الحالي.
وقال لورانس تايلور، رئيس وحدة مكافحة الإرهاب الوطنية، إن المحققين لم يعثروا على متفجرات داخل الشاحنات، لكنهم تمكنوا من استعادة كمية من البنزين.
وأوقفت السلطات خمسة بريطانيين على خلفية الحادث، جميعهم رجال في منتصف العشرينيات من العمر، قبل الإفراج عنهم بكفالة، وهي الخطوة التي أثارت انتقادات من الجانب الأميركي.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين: «لم أكن لأفعل ذلك»، فيما تحدث وزير خارجيته ماركو روبيو عن احتمال تورط «طرف أجنبي».
وفي المقابل، نفت السفارة الإيرانية لدى لندن بشكل قاطع التكهنات التي ربطت الحادث بطهران، مؤكدة رفضها لهذه الاتهامات.





