كشفت مراجعة أجرتها وكالة رويترز لآلاف السجلات المصرفية والحكومية ووثائق الشركات وبيانات الاستيراد عن شبكة عسكرية ومالية سرية تضم أكثر من 5 آلاف كيان مرتبط بوزارة الدفاع الإيرانية، استوردت من خلالها طهران معدات ومتفجرات ومكونات للصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات إطلاق متنقلة، بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ يناير 2025، رغم العقوبات الغربية والحصار البحري الأميركي.
وأظهرت السجلات أن الشحنات واصلت الوصول إلى إيران خلال الحرب عبر مسارات برية وبحرية وجوية، وأن جزءا كبيرا من المعدات جاء من الصين وروسيا وألمانيا ومناطق أخرى في الاتحاد الأوروبي، فيما بلغت قيمة العتاد العسكري الذي استورده كيان واحد، يحمل اسم «ودجا 346428»، نحو 2.3 مليار دولار خلال الفترة من يناير 2025 إلى يونيو 2026.
وتقدم هذه الشبكة، التي ترتبط وحدات منها بالحرس الثوري الإيراني ومؤسسات تجارية شبه حكومية تعرف باسم «البُنياد»، مسارا موازيا للمشتريات العسكرية الإيرانية، يعتمد على شركات واجهة ووسطاء في الخارج وتسويات مالية لا تتطلب تحويل الأموال عبر الحدود، وفق ما توصل إليه تحقيق رويترز بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية الأمريكية المتخصصة في استشارات المخاطر.
وقال مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية الذي ساعد في وضع برنامج العقوبات الأمريكية على إيران: «ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني».
شبكة مشتريات بأسماء وأرقام موحدة
تحمل الكيانات التي حددها التحقيق أسماء تبدأ بحروف «ودجا»، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية وإسناد القوات المسلحة. وتتخذ جميعها عنوانا واحدا في طهران، مطابقا لعنوان الوزارة، كما تظهر سجلاتها تاريخ تأسيس موحدا هو 11 فبراير 1979، اليوم الذي تولى فيه آية الله الخميني السلطة بعد الإطاحة بنظام الشاه.
لكن السجلات تشير إلى أن معظم هذه الكيانات تأسست فعليا في عام 2013، عندما كانت إيران تواجه عقوبات أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار عملتها.
ويعمل ضمن الشبكة أشخاص وشركات أجنبية واجهة، يطلق عليهم «الأمناء»، ويستخدمون عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لشراء السلع نيابة عن الجمهورية الإسلامية. ويستفيد من هذه الآلية قادة عسكريون كبار يشاركون في برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية.
ولم تجد رويترز دليلا على إدراج أي من الكيانات التي حددتها في الوثائق ضمن قوائم العقوبات الغربية، رغم خضوع الجيش الإيراني لعقوبات أمريكية متعددة منذ عقود.
وتشير بيانات بنك سبه الحكومي إلى أن أرقام هواتف مسجلة باسم 91 كيانا من هذه الشبكة ظهرت في سجلات مصرفية تخص أفرادا من الحرس الثوري لديهم حسابات في البنك، بينهم قائدان على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بانتهاكات بحق محتجين مدنيين.
ووجد التحقيق أن الكيانات تمثل منظومة واسعة للمشتريات العسكرية والتحايل على العقوبات، لا تقتصر معاملاتها على استيراد المعدات، بل تمتد إلى حركة الأموال داخل إيران وخارجها. وأظهرت بيانات الاستيراد أن 97 في المائة من الشحنات التي راجعتها رويترز تمت تسوية معاملاتها «من دون تحويل أموال».
وبحسب مالكي، تتيح هذه الآلية لإيران استخدام الأموال التي تحصل عليها من مبيعات النفط غير المشروعة في الخارج لشراء المعدات العسكرية، من دون الحاجة إلى نقل الأموال عبر الحدود في كل صفقة، بما يقلل احتمالات اكتشاف المعاملات المرتبطة بالعقوبات.
ويتولى وسطاء إيرانيون موثوق بهم يقيمون خارج البلاد شراء السلع بأموال مودعة في بنوك أجنبية، ثم شحنها إلى إيران. وتشمل الجهات المستفيدة الوحدة العسكرية المشرفة على برامج الصواريخ الباليستية، وشركة تندر صحرا (رعد الصحراء)، التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات في عام 2024 بسبب تصنيع وتوريد طائرات مسيرة إلى روسيا استخدمت في الحرب بأوكرانيا.
كيف كُشفت الشبكة؟
بدأ نوام بينستوك، كبير المحللين في «240 أناليتكس»، تتبع هذه الكيانات في يونيو 2025، عندما حمّل آلاف الصفحات من وثائق بنك سبه المتاحة مجانا على موقع «ويكي إيران». وتجمع شركته بيانات مخاطر الإرهاب وتمويله لحساب شركات وحكومات، وتقدم خدمات للتحقق من الشركاء والعملاء المحتملين.
وبنك سبه هو المصرف الإيراني الذي يتولى دفع الرواتب والمعاشات لأفراد الحرس الثوري. وكانت جماعة تعرف باسم «كود بريكرز» قد أعلنت مسؤوليتها عن اختراق البنك، ثم أعلنت لاحقا تنفيذ عمليات أخرى للاستيلاء على بيانات حكومية إيرانية. ولم يرد البنك على طلب رويترز للتعليق على الاختراق.
وقال موقع «ويكي إيران»، الذي يستقبل وثائق مسربة من الجمهورية الإسلامية، ردا على أسئلة رويترز: «يمكننا أن نؤكد أن المواد أصلية وأن مصدرها جرى التحقق منه من خلال مصادرنا واتصالاتنا داخل إيران وخارجها». ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية القائمين على الموقع، الذي يقول إن إيرانيين معارضين للحكومة «أُجبروا على العيش في المنفى» يديرونه.
وخلال مراجعة الوثائق، لاحظ بينستوك أن آلاف الحسابات المصرفية تعود إلى كيانات تحمل نمط التسمية نفسه، يبدأ بـ«ودجا»، متبوعا برقم من خمسة أو ستة أرقام مكتوب بالحروف، وأنها مسجلة في التاريخ نفسه والعنوان نفسه.
كما أظهرت السجلات المصرفية أسماء أصحاب الحسابات وأرقام تعريفهم وأرصدتهم المالية. ووجد بينستوك أن 36 كيانا من هذه الشبكة كانت لديها حسابات بالعملات الأجنبية بلغت ودائعها 1.2 مليار دولار في نهاية عام 2024، في حين امتلكت بقية الشبكة نحو 1.8 مليار دولار بالعملة المحلية، بمتوسط يقارب 360 ألف دولار لكل حساب.
وجمد بينستوك المشروع فترة أثناء إعداده أطروحة الدكتوراه وعمله في الشركة ورعايته مولوده الجديد، قبل أن يعود إليه في أغسطس 2026 ويفحص وثائق أحدث، ليكتشف أن الكيانات نفسها تتلقى أموالا من مبيعات النفط المهرب وتشتري كميات كبيرة من المعدات ذات الاستخدام المزدوج.
وقال بينستوك: «كان ذلك الاختراق الكبير الذي جعلني أبدأ في إدراك الحجم الفعلي لما نتحدث عنه، والعثور على أمثلة فعلية لواردات... عندها أدركت أننا توصلنا إلى شيء كبير حقا».
وكان لكل كيان رقم تعريف حكومي فريد مكون من 11 رقما، كما كانت الكيانات مدرجة في السجل التجاري الإيراني، وهو قاعدة بيانات رسمية تضم آلاف الشركات. وظهرت هذه الأرقام في بوالص الشحن والفواتير والحسابات المصرفية، ما أتاح تتبع الجهات حتى عندما تستخدم شركات واجهة.
وعقب اكتشاف النمط، تواصلت «240 أناليتكس» مع رويترز للمساعدة في رسم خريطة الشبكة. وراجعت الوكالة، باستخدام أرقام التعريف التي قدمها بينستوك، وثائق شحن سرية وبيانات استيراد وسجلات الشركات ورسائل بريد إلكتروني ووثائق جمعها الموقع.
وقال بينستوك، البالغ من العمر 35 عاما: «هذه الكيانات التي تحمل أرقاما هي بمثابة البنية التحتية الخفية لشبكة الجمهورية الإسلامية للالتفاف على العقوبات الدولية، وما هو أكثر من ذلك بكثير». وأضاف: «حجم الأموال التي تمر عبر هذه الجهات مذهل، ولم يسبق لأحد أن انتبه إليها».
«ودجا 346428».. محور رئيسي للمشتريات
برز كيان «ودجا 346428» باعتباره أحد أبرز المستوردين في الشبكة، إذ يعود تاريخ مشترياته التي أمكن تتبعها إلى عام 2016. وارتفعت مشترياته الخارجية من 442 مليون دولار خلال الاثني عشر شهرا المنتهية في مارس 2023، إلى 989 مليون دولار خلال الاثني عشر شهرا التالية، وفقا لإحصاءات جمركية نشرتها وسائل إعلام إيرانية، ليصبح ضمن أكبر عشرة مستوردين في إيران.
ووفقا لسجلات منصة «إمبورت جينيوس» المتخصصة في جمع بيانات الاستيراد والتصدير، استورد الكيان عتادا عسكريا بقيمة 2.3 مليار دولار بين يناير 2025 ويونيو 2026.
وخلال الفترة من يناير إلى أبريل 2025، استورد 886 طنا من المواد الكيميائية عبر مجمع ميناء بندر عباس الإيراني. وأظهرت البيانات أن منشأ الشحنة هو الصين، وأن المواد مدرجة تحت بند جمركي يشمل كلورات الصوديوم وأنواعا أخرى من البيركلورات، وهي مواد أولية رئيسية تدخل في تصنيع وقود الصواريخ الصلب.
وبعد ثلاثة أيام من وصول الشحنة الأخيرة، وقع انفجار في الميناء يوم 26 أبريل 2025، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 70 شخصا وإصابة أكثر من 1200. وقال شخصان مطلعان على الانفجار إنه نجم عن اشتعال مادة بيركلورات الصوديوم داخل حاويات شحن على رصيف الميناء.
وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن شركة سينا لتطوير خدمات الموانئ والخدمات البحرية كانت تخزن المواد الكيميائية. وتعود ملكية الشركة إلى «بُنياد مستضعفان»، أو مؤسسة المستضعفين، وهي مؤسسة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات ويخضع نشاطها لسيطرة مباشرة من المرشد الأعلى الإيراني.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة سينا آنذاك إن الانفجار نتج عن «معلومات غير صحيحة» بشأن محتويات شحنة سُلّمت «دون وثائق أو بطاقات تعريف». لكن رويترز لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت المواد الكيميائية التي تزن 75 طنا هي التي تسببت في الانفجار.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مؤسسة المستضعفين عام 2000. ورغم تقديمها نفسها باعتبارها مؤسسة خيرية لخدمة الفقراء، قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها تُستخدم من جانب المرشد الأعلى لإثراء مكتبه ومكافأة حلفائه.
ويتولى حسين دهقان إدارة المؤسسة، وكان قد عُين وزيرا للدفاع عام 2013، عندما بدأ نشاط معظم الكيانات التي حددها التحقيق، وشغل المنصب أربع سنوات. وقبل ذلك، قاد قوات الحرس الثوري الإيراني في لبنان خلال تفجير استهدف قوات حفظ السلام الدولية في بيروت عام 1983، وأسفر عن مقتل 241 جنديا أميركيا و58 مظليا فرنسيا ومدنيين لبنانيين، وفقا لبيان أميركي بشأن العقوبات المفروضة عليه. وحملت الولايات المتحدة إيران مسؤولية الهجوم.
ولم يرد دهقان على طلب للتعليق بشأن الانفجار والكيانات التابعة لوزارة الدفاع ومنصبه، أُرسل إليه عبر المؤسسة وممثلها القانوني.
وقود الصواريخ والمتفجرات وآلات التصنيع
لم تقتصر المشتريات على المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع وقود الصواريخ، بل شملت صواعق تفجير بقيمة 1.9 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، وأطنانا من المتفجرات وأجزاء لمحركات طائرات ومكونات لوقود الصواريخ ومركبات إطلاق ثقيلة.
وأشار خبراء الأسلحة والعقوبات الذين اطلعوا على نتائج التحقيق إلى أن هذه المواد يمكن استخدامها في تصنيع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بما فيها طائرات «شاهد». وأكد بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا، الذي درس خلال السنوات الماضية عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وسلاسل توريدها، أن الواردات تعكس محاولة لتجديد الترسانة.
وقال سالزبري: «يبدو أن هذا جهد واسع النطاق لإعادة بناء أو توسيع ترسانة إيران الحالية» من الطائرات المسيرة والصواريخ. وأضاف: «تُظهر هذه البيانات بوضوح قدرة المنظومة الإيرانية على التكيف وإيجاد مسارات جديدة».
وقال سالزبري وأحد خبراء الأسلحة إنهما استخدما بيانات «ويكي إيران» سابقا ووجدا أنها دقيقة. وكان مالكي واحدا من أربعة خبراء في العقوبات على إيران والأسلحة اطلعوا على نتائج تحقيق رويترز وأكدوا أن كثيرا من هذه المواد يمكن استخدامها في برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.
وإلى جانب المكونات المنفردة، اشترت إيران آلات دقيقة يمكن استخدامها لتصنيع معداتها العسكرية، من بينها مخارط متطورة تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفران تعمل بحزم الإلكترونات ومسرعات جسيمات، وفقا لبيانات الاستيراد حتى يونيو 2026. وتُستخدم هذه المعدات في الصناعة، كما يمكن توظيفها في تصنيع هياكل الصواريخ والطائرات المسيرة.
وتُظهر البيانات أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريبا كانت معفاة من الرسوم الجمركية ومصنفة تحديدا على أنها معدات عسكرية. لكن الخبراء أشاروا إلى أن كثيرا من الواردات، بما فيها المتفجرات، يمكن تصنيفها ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج، أي التي قد تكون لها استخدامات مدنية أيضا.
وراجعت رويترز جزءا من نحو 19 ألف سجل استيراد، وقارنتها بوثائق الشحن ومقاطع مصورة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير وسائل الإعلام الرسمية. ولم تتضمن جميع البيانات أوصافا تفصيلية للشحنات، واعتمد التحقيق في حالات كثيرة على الرموز الجمركية لتحديد المحتويات ومناشئها المعلنة من دون التحقق منها بشكل مستقل.
شاحنات إيفيكو وتويوتا تتحول إلى جزء من شبكة التوريد
تكشف بيانات الاستيراد أيضا عن شراء شاحنات ثقيلة يمكن للجيش استخدامها منصات إطلاق متنقلة ومموهة للصواريخ والطائرات المسيرة.
وفي خريف عام 2022، اشترى تاجر سيارات إيراني يعيش في إيطاليا ست شاحنات «إيفيكو يوروكارجو» مقابل 426 ألف يورو، وفقا لسجلات «ويكي إيران». وشُحنت المركبات إلى شركة «ديلمي تريدنج» في دبي، التي تولت نقلها إلى ميناء بندر عباس. وأظهر رقم التعريف الخاص بالمشتري النهائي أن الكيان المستفيد هو «ودجا 346428»، فيما أفادت قائمة الشحن بتسليم الشاحنات في النهاية إلى شركة «صحرا تندر»، التي تؤدي دورا رئيسيا في تصنيع وبيع طائرات «شاهد» الإيرانية المسيرة. ولم ترد ديلمي على طلب التعليق.
وبين يناير 2025 ويونيو 2026، استورد الكيان نفسه 435 شاحنة إضافية من طراز إيفيكو. وتتبع محققو رويترز بعض هذه الشاحنات باستخدام صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة للجمارك على مشارف طهران في فبراير 2025، وطابقوا أرقام تعريف ثلاث مركبات مع بيانات الاستيراد.
وخلال الحرب، نشرت القيادة المركزية الأمريكية في مارس مقطعا مصورا قالت إنه يظهر ضربة استهدفت منصة إطلاق صواريخ إيرانية متنقلة ومموهة. ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كانت الشاحنة التي ظهرت في المقطع من بين الشاحنات التي استوردتها «ودجا 346428»، لكن محللين في شركة «جينز» البريطانية المتخصصة في معلومات الدفاع المستقاة من المصادر المفتوحة قالوا إنها من طراز إيفيكو الذي تستورده إيران.
وقالت إيفيكو ردا على نتائج التحقيق: «يتعين على الموزعين المعتمدين ضمان عدم استخدام منتجاتنا، بعد بيعها، لأغراض عسكرية أو كيميائية أو بيولوجية أو نووية». وأوضحت أن لديها ضمانات تعاقدية تمنع وصول منتجاتها إلى «وجهات أو كيانات أو أفراد محظورين».
وأضافت الشركة، التي يقع مقرها في إيطاليا، أنها لا تسيطر على «المنتجات التي تنقلها أو تصدرها أطراف ثالثة لا تربطنا بها علاقة تعاقدية مباشرة». وتابعت: «تأكدنا من أن أي وجود لشاحنات إيفيكو في إيران حدث خارج نطاق سيطرة ومسؤولية مجموعة إيفيكو».
وقالت إيفيكو إنها لا تملك سجلا لعملية البيع التي تمت للتاجر الإيراني المقيم في إيطاليا عام 2022، وإن معظم شاحناتها التي رصدتها رويترز في ساحة الجمارك عام 2025 كانت متجهة إلى آسيا الوسطى.
واستوردت إيران أيضا آلاف الشاحنات من طرازي «تويوتا هايلوكس» و«لاند كروزر» عبر الشبكة. ويعدل الحرس الثوري الإيراني وجماعات مسلحة موالية له هذه المركبات لتثبيت رشاشات ثقيلة على صناديقها الخلفية.
وأظهرت لقطات من احتجاجات شهدتها إيران في وقت سابق من عام 2026 قوات أمن ترافقها مركبات مزودة بمدافع رشاشة ضمن رتل من سيارات لاند كروزر يجوب شوارع مدينة تنكابن شمالي البلاد. وفي يناير 2025، استوردت «ودجا 346428» أربع سيارات «تويوتا تندرا»، التي يستخدمها الحرس الثوري لنقل الطائرات المسيرة.
وقال متحدث باسم تويوتا إن الشركة لا تمارس أي أعمال في إيران، مضيفا: «لم تشارك تويوتا في المشتريات التي أوردتها رويترز وليست لديها أي معرفة بها».
وقالت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية إنها لا تستطيع التعليق على تفاصيل التحقيق، لكنها تفرض ضوابط صارمة على السلع المرتبطة بالأمن القومي. وأضافت: «ننفذ أيضا أنشطة توعية وتواصل لتعريف الشركات بهذه اللوائح الخاصة بالرقابة على الصادرات».
إمدادات من الصين وروسيا وأوروبا والإمارات
توضح بيانات الشحن أن إيران واصلت استيراد مكونات عسكرية حتى مع احتدام الحرب وفرض الحصار على السفن الإيرانية. ففي 9 فبراير 2026، وصلت إلى ميناء بندر عباس سفينة تحمل 93 طنا من التيتانيوم الصيني عالي الصلابة، الذي قال خبراء إنه يمكن استخدامه في تصنيع هياكل الصواريخ وأغلفة محركاتها.
وخلال الشهر السابق لاندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، نقلت سفن أيضا 268 طنا من النيتروسليلوز و276 طنا من مواد كيميائية أخرى من الصين، مدرجة تحت بند جمركي يشمل البيركلورات، وهي مكونات تدخل في تصنيع وقود الصواريخ والمتفجرات.
وفي يونيو 2026، وصلت شحنة روسية من الصواعق بقيمة 1.9 مليون دولار، يمكن استخدامها لتفجير مواد شديدة الانفجار مثل تلك الموجودة في الرؤوس الحربية للصواريخ والطائرات المسيرة. وكانت الشحنة الأخيرة ضمن خمس شحنات مماثلة من روسيا بلغت قيمتها الإجمالية 7.6 مليون دولار منذ بداية عام 2025.
وانخفضت قيمة الواردات الشهرية للجيش الإيراني في بداية الحرب بنسبة 47 في المائة، إلى 54 مليون دولار في مارس مقارنة بالشهر السابق، قبل أن ترتفع إلى 77 مليون دولار بحلول مايو.
وامتدت الإمدادات إلى الإمارات، إذ أظهرت البيانات تسجيل واردات للجيش الإيراني بقيمة 27 مليون دولار على أنها قادمة من الإمارات منذ اندلاع الحرب، ووصلت كلها تقريبا عن طريق البحر. وكانت أحدث شحنة، المصنفة إلكترونيات، قد وصلت في 27 يونيو، بعد تسعة أيام من إعلان الولايات المتحدة تعليق حصارها البحري. واستؤنف الحصار في منتصف يوليو وظل ساريا وفقا للبيانات الواردة في التحقيق.
وفي الفترة نفسها، استهدفت إيران منشآت للبنية التحتية في الإمارات حتى مايو، وواصلت قصف ناقلات النفط الخام التابعة لها بطائرات مسيرة وصواريخ. ولم ترد حكومة الإمارات على طلب رويترز للتعليق بشأن الشحنات.
ولم تقتصر الواردات على الصين وروسيا. فقد أظهرت البيانات أن شركات في الاتحاد الأوروبي، الذي فرض عقوبات على وزارة الدفاع الإيرانية، شحنت إلى الجيش الإيراني معدات بمئات الملايين من الدولارات، بينها شاحنات ومكونات لمحركات طائرات وإلكترونيات. وشملت الشحنات شاحنات إيفيكو بقيمة 34 مليون دولار من ألمانيا ومناطق أخرى في الاتحاد الأوروبي، وأُدرجت المستندات الخاصة بها باسم «ودجا 346428».
وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن الدول الأعضاء مسؤولة عن إنفاذ عقوبات التكتل، التي تشمل شركة صحرا تندر وغيرها. وأضاف: «يواصل الاتحاد الأوروبي تقييم المعلومات المتعلقة بتعزيز إيران لبرنامجيها للطائرات المسيرة والصواريخ بعناية فائقة». ولم ترد حكومتا ألمانيا وإيطاليا على طلبات التعليق.
وعبر بحر قزوين، وصلت شحنات على متن سفن من روسيا، كما دخلت مواد إلى إيران بالشاحنات عبر آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد نشرت في 23 سبتمبر تقريرا عن بعض الشحنات القادمة من الصين.
وردا على أسئلة رويترز، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها «ليست على علم بالوضع الذي تصفونه»، وأضافت في بيان: «نرفض بشدة محاولات الربط بسوء نية بين الأعمال القتالية في المنطقة وبين الصين أو تشويه سمعة الصين».
وفي 12 أكتوبر 2026، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لا يعتقد أن الصين وروسيا تدعمان طهران. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «إذا كانتا تفعلان ذلك، فهو على مستوى محدود جدا، لكنني لا أعتقد أنهما تفعلان ذلك على الإطلاق». وأضاف: «لديهما الكثير لتخسراه، وسنعلم بذلك، وسنعلم به سريعا جدا!».
ولم ترد وزارة الدفاع الروسية ووزارة الخزانة الأميركية والبيت الأبيض والقيادة المركزية الأميركية على طلبات التعليق.
صلات بمؤسسات النخبة والحرس الثوري
تتصل شبكة المشتريات العسكرية بمؤسسات «البُنياد»، وهي مؤسسات شبه حكومية يديرها أفراد من النخبة الإيرانية، وتسيطر على جزء كبير من الاقتصاد. وتأسس كثير منها بعد الثورة الإسلامية عام 1979، باستخدام أصول صودرت من أسرة الشاه المخلوع وأشخاص آخرين اعتبرتهم الدولة الجديدة أعداء لها.
ووفقا لتحقيق أجرته رويترز عام 2013 ووثائق أمريكية بشأن العقوبات، تستخدم النخبة الإيرانية هذه المؤسسات لتثبيت قبضتها على السلطة عبر شبكة من المحسوبية تربط المسؤولين الموالين لها. وتقول الولايات المتحدة وأوروبا، في عقوبات فرضتها على مدى سنوات، إن مؤسسات البُنياد، إلى جانب الحرس الثوري، تضطلع بدور محوري في القمع العنيف للإيرانيين.
ومن الأمثلة التي أوردها التحقيق «مؤسسة الحفاظ على الآثار ونشر قيم الدفاع المقدس»، التي تتولى الترويج «لثقافة المقاومة والتضحية والجهاد والشهادة»، وتؤدي دورا دعائيا رئيسيا للحكومة في الحفاظ على شرعية الجمهورية الإسلامية وأيديولوجيتها.
وأظهرت بيانات «ويكي إيران» أن المؤسسة تلقت أربع شحنات من الأجهزة الإلكترونية ووحدات التبريد عام 2017، وكان رقم التعريف المسجل عليها يعود مجددا إلى «ودجا 346428». ولم يتضح كيف استخدمت المؤسسة هذه المواد، لكن قيادتها تضم قادة كبارا في الحرس الثوري في أقاليم إيران البالغ عددها 31 إقليما.
وفي إقليم خوزستان، تضم هذه القيادات البريجادير جنرال حسن شاهوار بور، الذي يقود منذ فترة طويلة قوات النخبة التابعة للحرس الثوري في المنطقة. ووفقا لوثيقة عقوبات أميركية، قتلت وحدات خاضعة لقيادته ما لا يقل عن 100 مدني إيراني في ماهشهر عام 2019 خلال احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود.
وقالت الولايات المتحدة إن هذه الوحدات استخدمت مركبات مدرعة لمحاصرة أشخاص كانوا يحاولون الفرار، ثم أطلقت نيران الرشاشات على الحشود. وذكر ناشط حقوقي محلي قال إنه شهد عمليات القتل أن قوات شاهوار بور أضرمت النار لاحقا في حقول قصب السكر التي كان يختبئ فيها بعض المحتجين، وأيد روايته ناشط ثان كان موجودا في ذلك اليوم.
وفرضت واشنطن عقوبات على شاهوار بور عام 2020 على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان. وخلال مراسم دينية لاحقة، قبله رجل دين بارز على رأسه وقال له إن العقوبات «مصدر فخر».
وفي عام 2021، طلب شاهوار بور 50 مليار ريال إيراني، كانت تعادل آنذاك أكثر من مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي، من شركة صلب مملوكة للدولة لتمويل مبنى جديد للحرس الثوري في خوزستان. وأظهرت وثيقة اطلعت عليها رويترز أن الحساب الذي كان مقررا إيداع الأموال فيه يعود إلى الكيان «ودجا 424000».
وفي بداية عام 2026، سحق رجال شاهوار بور احتجاجات جديدة في خوزستان، ضمن انتفاضة على مستوى البلاد احتجاجا على الانهيار الاقتصادي، وفقا لناشطين. وفي أنحاء إيران، قُتل الآلاف وسُجن عشرات الآلاف. وقال ناشطان في خوزستان إنهما وثقا أسماء 46 قتيلا، وإن معظمهم قُتلوا يومي 8 و9 يناير عندما فتح الحرس الثوري النار على المتظاهرين.
وأظهرت لقطات بثتها وسائل الإعلام الرسمية من عرض أقيم في وقت سابق من العام قوات الحرس الثوري التابعة لشاهوار بور وهي تجوب بلدة في خوزستان على متن شاحنات تويوتا تندرا بيضاء، من النوع الذي تستخدمه شبكة وزارة الدفاع. وكانت إحدى الشاحنات تحمل طائرة «شاهد» مسيرة وردية زاهية.
ردود غائبة وأسئلة بشأن مسارات الاستيراد
لم ترد الجهات الحكومية والشركات الإيرانية التي تواصلت معها رويترز على طلبات مفصلة للتعليق، بما في ذلك الرئاسة الإيرانية وبعثة طهران لدى الأمم المتحدة في جنيف. كما لم ترد مؤسسة بنك سبه على طلب التعليق بشأن الاختراق، ولم يرد ممثلون عن عدد من الجهات والشخصيات الواردة في التحقيق على استفسارات الوكالة.
وضمت قائمة الخبراء الذين اطلعوا على نتائج التحقيق وراجعوا بيانات الأسلحة والعقوبات مياد مالكي، وولف كريستيان بايس، وهنري تومسون، المتخصصين في إمدادات الأسلحة الإيرانية، وداميان سبليترز، مؤسس منظمة «هيمدال» المتخصصة في سلاسل الإمداد غير المشروعة ومشتريات الأسلحة.
وخلص التحقيق إلى أن شبكة وزارة الدفاع الإيرانية تجمع بين حسابات مصرفية وكيانات مسجلة وشركات واجهة ووسطاء خارجيين، وتتيح وصول المعدات إلى الوحدات العسكرية المستفيدة عبر مسارات متعددة. كما أظهرت الوثائق أن عددا من المعدات المستوردة يمكن استخدامه في التطبيقات الصناعية والمدنية، ما يجعل تحديد الاستخدام النهائي لبعض الشحنات غير محسوم في الحالات التي لم تتوفر فيها أدلة مستقلة كافية.
وقال مالكي إن الكيانات السرية تشكل نظاما موازيا للتجارة الخارجية الرسمية، بينما رأى سالزبري أن البيانات تكشف قدرة المنظومة الإيرانية على التكيف وإيجاد طرق جديدة للحصول على المكونات اللازمة للصواريخ والطائرات المسيرة.






