توقع خبير متخصص في الشأن الإيراني أن تدفع طهران ثمنًا باهظًا لإصرارها على سياسة التصعيد في مواجهة المطالب الدولية، مشيرًا إلى أن طهران لم تتعلم من درس حرب الناقلات التي اشتعلت في الخليج العربي خلال الثمانينيات وانتهت بتكبيدها خسائر فادحة .
وقال الباحث المعروف فرزين نديمي في تحليل موسع نشره «معهد واشنطن» مساء أمس الإثنين، وترجمته «عاجل» إن «الإجراءات الإيرانية الأخيرة تشير إلى رغبة طهران في تحقيق المزيد من الانتقام؛ إلّا أنَّ الاستمرار في ذلك قد يُسفر عن ارتكاب الأخطاء نفسها كسوء التخطيط الاستراتيجي، والتدخل الدولي والذي كلف البلاد ثمنًا باهظًا خلال ثمانينيات القرن الماضي».
وتابع قائلًا :«في الرابع من يوليو، صادرت قوات البحرية الملكية البريطانية ناقلة النفط العملاقة (جريس 1)، وهى ناقلة نفط كبيرة تحمل العلم البنمي يُشتبه في أنها تحمل النفط الخام من إيران إلى مصفاة «بانياس» السورية في تحد لعقوبات الاتحاد الأوروبي ضد نظام ( بشار) الأسد».
وأضاف: لقد استخدمت قوات البحرية الملكية البريطانية طائرة هليكوبتر للوصول إلى متن الناقلة التي يبلغ طولها 330 مترًا، وزنها 300.000 طن في منتصف الليل. وجاء رد الفعل الإيراني على ذلك ليكشف بدرجة كبيرة عن خيارات رد الفعل المحتملة ضد المصالح الغربية والقيود المفروضة عليها».
وقال نديمي :«ردت طهران بغضب على هذه العملية؛ حيث هدد الرئيس حسن روحاني ومسؤولون مدنيون وعسكريون آخرون بالرد المباشر في مضيق هرمز إذا لم يتم إطلاق سراح الناقلة على الفور. بل دعا البعض إلى حظر مرور السفن البريطانية من المضيق تمامًا، في حين قدم البرلمان الإيراني تشريعات قد تؤدي إلى فرض رسوم على السفن من جنسيات معينة - وهو إجراء تمييزي غير قانوني».
وفي 8 يوليو، وصف وزير الدفاع الإيراني العملية بأنَّها عملية قرصَّنة. وبعد ذلك بيوم واحد، وعد رئيس الأركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري بالرد في الوقت والمكان المناسبين، تماشيًا مع العملية التي أسقطت طائرة أمريكية مسيرة في 20 يونيو. كما كرر باقري التأكيد على استراتيجية المرشد الأعلى علي خامنئي المتمثلة في «لا للمفاوضات، لا للحرب»، واصفًا إياها بأنها «مقاومة نشطة».
ووفق نديمي، فإن ذلك يعني ضمنًا أن القوات المسلحة الإيرانية قد عزمت على إظهار قوة الردع بشكل لا هوادة فيه، بدليل أن الجنرال حسين سلامي، الذي دافع عن الفكرة لسنوات، ويشغل حاليًا موقع القائد العام للحرس الثوري قال في 18 يونيو إن «النصر أقرب من أي وقت مضى لأن العدو متعب ومتردد».
وعبرت إيران عن جدية تهديداتها في الـعاشر من يوليو، عندما حاولت خمسة زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري الإيراني اعتراض ناقلة النفط البريطانية British Heritag بينما كانت تعبر الجزء الخارجي من منطقة الفصل المروري التي تقع معظمها في المياه الخليجية الإيرانية المؤدية إلى مضيق هرمز. وبالرغم من قيام سفينة حربية بريطانية مُظللة تعمل انطلاقًا من البحرين بإحباط هذا الجهد؛ إلا أن هناك ناقلات بريطانية أخرى في مرسى الفجيرة، وأماكن أخرى لا تزال عُرضة لعمليات التخريب، وفق تقدير نديمي.
ووفق تحليل الباحث بـ«معهد واشنطن»، فإن الحرس الثوري الإيراني يعتقد أنه يتمتع بميزة جغرافية متميزة تتيح له تنفيذ هذه الاستراتيجية. فمن وجهة نظره، تهيمن إيران على الأجزاء الشمالية، والشرقية من الخليج العربي، ومضيق هرمز بأكمله، والذي يُعد واحدًا من أكثر طرق الشحن ازدحامًا في العالم؛ إذ يمر عبره يوميًا ما يصل إلى خمس عشرة ناقلة نفط (بما في ذلك من ثلاث إلى أربع ناقلات بترول ضخمة).
وتعتقد طهران- أيضًا- أنَّ تصرفاتها مسموح بها قانونًا. إذ يدعي النظام الإيراني السيطرة على حركة الملاحة البحرية عبر المياه الإيرانية ويضم مضيق هرمز ضمن هذا التعريف، بالرغم من أنه تم تعيينه كمضيق دولي بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS لعام 1982م.
وعلى الرغم من أن إيران من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ إلَّا أنَّها لم تصادق على هذه الوثيقة، ولا يعترف قانونها البحري بالمضائق الدولية، والأهم أنها تفسر المادة 24 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تبيح لدولة ساحلية أن توقف مؤقتًا المرور البريء في مناطق محددة من البحار الإقليمية لأسباب أمنية، بطريقة خاطئة؛ حيث تقوم بالتمييز ضد دول محددة.
وتوقع نديمي أن تتخذ إيران المزيد من الإجراءات، حتى في ظل جهود التواصل الدبلوماسي مثل زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى نيويورك هذا الاسبوع، مضيفًا:« سيكون الخيار الأول هو محاولة الاستيلاء على سفينة بريطانية أخرى ، وقد تقرر إيران القيام بعمليات سرية ضد هذه السفن أيضًا، أو حتى ضد الأصول التجارية البريطانية وخدمات الدعم في سوق الطاقة في المنطقة.
كما توقع أن تطلب طهران من أصدقائها الحوثيين في اليمن مضايقة الشحن التجاري في مضيق باب المندب، وذلك باستخدام المعدات، والمعلومات الاستخباراتية التي زودتها بها إيران باستخدام سفينة «سافيز» الراسية إلى الشمال من المضيق.
لكنه يضيف:«مهما حدث بعد ذلك، تشير عملية British Heritage الفاشلة إلى أن طهران لا تهتم بتسريع عملية تشكيل تحالف بقيادة الغرب لحماية الملاحة الإقليمية. ورغم أن هذا يتماشى مع سلوك النظام خلال الثمانينيات، فإنه يتجاهل الدروس التاريخية المستقاة من تلك الفترة».
وتابع نديمي موضحًا: «قبل عملية «إرنست ويل» في عام 1987م، صَعَّدت طهران الوضع في الخليج من خلال أمر الحرس الثوري الإيراني بمواجهة القوات البحرية الغربية هناك في خضم الحرب الإيرانية- العراقية. لقد جاء هذا القرار بنتائج عكسية؛ إذ أعطى الحكومات الغربية مبررات للمشاركة بعمق».
وأضاف: «لم تكن للهجمات الإيرانية تأثير يذكر على حرب الناقلات، أو الصراع الطويل مع العراق، أو أسواق النفط العالمية، وإنما أدت إلى تصعيد المواجهة مع القوات العسكرية الغربية، لتبلغ الأمور ذروتها بهزيمة بحرية كبيرة للإيرانيين على أيدي القوات البحرية الأمريكية في عام 1988م».
ولردع إيران عن التصعيد، قال ندمي :«ينبغي على مختلف الجهات الفاعلة الحفاظ على وجود بحري قوي متعدد الجنسيات في المنطقة، وتمكينه من التدخل؛ لحماية حرية الملاحة في المجاري المائية الاستراتيجية في المنطقة. وينبغي أن تشمل تدابير الحماية تلك تعزيز الدفاعات ضد السفن الحربية الكبيرة والصواريخ الباليستية، فضلًا عن تشديد البنية التحتية الحيوية ضد الهجمات الإلكترونية الإيرانية. كما يجب على المسؤولين- أيضًا- حث إيران على اتخاذ خطوات ملموسة (بما في ذلك الاجراءات التشريعية) تجاه الاعتراف بمضيق هرمز كممر دولي».
