يحتفل العالم في الثالث من مايو كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وتخصص الأمم المتحدة هذا اليوم للاحتفاء بالمبادئ الأساسية، وتقييم حال الصحافة في العالم، وتعريف الجماهير بانتهاكات حق الحرية في التعبير، والتذكير بالعديد من الصحفيين الذين واجهوا الموت أو السجن في سبيل القيام بمهماتهم في تزويد وسائل الإعلام بالأخبار اليومية.
هذه الذكرى تسلط الضوء على التحرُّكات القطرية التركية المشبوهة ليس فقط لتوظيف سلاح الإعلام في التخريب والتدمير، لكن في تعقب وسائل الإعلام المحلية الرافضة لممارسات النظام الحاكم في الدوحة وأنقرة.
أحدث الخطوات في هذا الشأن تتمثّل في إعلان مركز الدوحة لحرية الإعلام إيقاف جميع نشاطاته بصورة مفاجئة وإلغاء حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يوضح أسبابًا لذلك، وهو ما يحمل تناقضًا كبيرًا للأهمية التي روَّجتها الدوحة للمركز منذ إطلاقه في أكتوبر 2008، بأنّه «المركز الدولي الأول من نوعه الذي يتأسَّس في دولة غير غربية، ويعمل لخدمة حرية الصحافة والتعبير في قطر والشرق الأوسط والعالم».
وبحسب موقع «قطر يليكس»، لم يُحقِّق المركز الغاية المرجوّة منه ولم يترك التأثير المطلوب رغم تجنيد صحفيين للعمل فيه من دول عربية وأجنبية متعددة، وأصبح بالنسبة للسلطات مضيعة للمال والجهد والوقت، خاصةً أنَّه بعد فترة قصيرة على تأسيسه بدأت المشكلات تتفاقم بين مؤسسيه والمسؤولين القطريين الذي لم يقبلوا يومًا بمركز مستقل له الحرية في التعبير عن مواقفه بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية، وهو ما كشفه «روبير مينار»، الذي كان أول مدير للمركز.
«مينار»، وهو ناشط فرنسي بارز، مؤسّس منظمة «مراسلون بلا حدود»، استقال من إدارة المركز بعد مرور عامين فقط بسبب انعدام الحرية، وقال في بيان له، آنذاك: «المركز يختنق، لم تعد لدينا الحرية ولا سبل العمل».
ورغم أنّ الدوحة زعمت أنّ هدف هذا المركز هو الترويج لحريّة الصحافة في مختلف أنحاء العالم وتأمين ملاذ للصحفيين المهدَّدين، فإنه نادرًا ما غطى أخبارًا عن الدوحة، فيما ذكرت تقارير سابقة لوزارة الخارجية الأمريكية أنّ الصحافة القطرية تمارس الرقابة الذاتية بصورة روتينية، لذلك عمل في بيئة منافية عمليًّا لحرية التعبير والصحافة.
وفي ديسمبر 2013، أنهت السلطات القطرية مهام مدير المركز الهولندي يان كولن، دون ذكر أسباب أيضًا، لكن كولن كان قد سبق له توجيه نقد لاذع للصحافة القطرية أغضبت العديدين في الدوحة.
ويعيش كم هائل من الكتاب والصحفيين في قطر، وسط مناخ ضيق للغاية لا يُتاح لهم فيه حتى مجرد التعليق على القضايا العامة، أو ممارسات النظام الحاكم، وسبق وأن عوقب الصحفي القطري فرج مزهر الشمري المرشح السابق للمجلس البلدي، على معارضته للسلطات بتجريده من الجنسية ومن أملاكه ونفيه خارج البلاد، وذلك بعدما كتب مقالًا بعنوان «عين عذارى»، طالب فيه بتخفيض الرسوم والضرائب على القطريين.
ومؤخرًا، أقدمت السلطات القطرية على إقالة، أنس أزرق، مدير «تليفزيون سوريا» الذي يبث من إسطنبول بدعم تركي - قطري، في ظل إخفاقه في الترويج للخطاب الإعلامي - السياسي الذى ترغب فيه البلدين بخصوص الأزمة السورية، ومن ثم تمت الإطاحة بـ«أرزق».
الشهادة الفاضحة
وتجدد الممارسات القطرية التأكيد على مواصلة التعدي على أخلاقيات الصحافة، ومواصلة استخدام هذا السلاح في التدخُّل في شؤون الدول، وتلعب «الجزيرة» دورًا أساسيًّا في هذا السياق، فالقناة التي تدعي أنّها تمثّل الرأي والرأي الآخر فضح أحد صحفييها السابقين كيف تؤدي هذه المؤامرة.
الصحفي السابق في «الجزيرة» بيتر جريست كان في منتصف أبريل الماضي، التحقيق السري من جانب المخابرات الأمنية الأسترالية مع أعضاء حزب أمة واحدة، بعدما نشرت ما وصفها بـ«بوق الحمدين» تحقيقًا مصورًا يُشوِّه صورة رئيس الحزب بأكاذيبها، وقال إنّها تستخدم طرقًا ملتويةً للحصول على معلومات وتحريفها، كما اعترف بتعديها على أخلاقيات الصحافة لإظهار صورة مغايرة للواقع.
وأضاف في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز»: «الحقيقة هي أننا لا نستطيع أن نعرف ما قد يحدث، ما نعرفه هو أن الجزيرة كانت متورطة، أو كان لديها مراسل شارك بنشاط، في عقد اجتماع أو سلسلة من الاجتماعات في الولايات المتحدة.. أعرف أن هذا يمثل مشكلة أساسية».
وتابع: «تتطّلب أخلاقيات الصحافة من الصحفيين أن يكونوا منفتحين وشفافين حيثما أمكن، ومن المفهوم والمقبول إجراء تحقيقات سرية.. ما يهمني هو عبور الخط في الواقع؛ لإنشاء قصة وليس مجرد الإبلاغ عنها».
وكان الحزب الأسترالي قد قدّم بلاغًا إلى الشرطة، بعدما نشرت القناة تحقيقًا تمّ بثّه على شبكة تليفزيون «ABC»، عن محاولة الحزب تأمين التمويل السياسي من جمعية البندقية الوطنية القوية، حيث صوَّرت «الجزيرة» مدير الحزب في كوينزلاند ستيف ديكسون، وهو يناقش تخفيف قوانين الأسلحة في أستراليا خلال رحلة إلى الولايات المتحدة العام الماضي، ما عمل على تشويه صورته.
وتسبَّب التحقيق في تراجع شعبية الحزب الأسترالي، قبل أربعة أسابيع فقط من الانتخابات البرلمانية الاتحادية، حسبما أظهر استطلاع للرأي العام في أستراليا.
لجان إلكترونية
الدوحة تستخدم في هذه الخطة المريبة لجانًا إلكترونية تضم أعضاء من جماعة الإخوان، التي تأوي قطر وتركيا كثيرًا من عناصرها الهاربين، ويسعى نظام الحمدين من جرّاء ذلك للتغلغل في كل أعصاب المجتمعات بشتى السبل والوسائل، عبر تحريف الكلام عن موضعه؛ لإقناع الشعوب باتباع منهجها السيئ.
واتبعت الجماعة في بناء شبكتها فرز وانتقاء رؤوس مجموعات، ثم تكليف كل منهم باختيار عناصر تتبعه، على أن يكون كل عنصر رأس مجموعة أخرى في شبكة عنقودية لا يعرف أي منها باقي الأطراف كاملة، وهو ما يجعل مهمة التتبع والحصار والكشف شبه مستحيلة.
وكشفت وثائق نُشرت في الفترة الأخيرة، عن أنَّ خريطة اللجان الإلكترونية لجماعة الإخوان سواء في مصر أو قطر وتركيا وباقي دول العالم تستهلك عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا من أموال الشعب القطري.
ويجرى تأمين التدفقات المالية القطرية عبر عدة مسارات، إما بتحويلات مباشرة على أحد البنوك القطرية العاملة بمصر، وبعض شركات الصرافة المحلية والعالمية، أو عبر خدمتي xmlgold وPayPal وغيرهما من التطبيقات الإلكترونية، بينما تُدير مجموعات الإخوان داخل مصر أموالها المتولدة من الدعم القطري والتركي وحصيلة التبرعات والاشتراكات، من خلال التسليم باليد بين اللجان والشُّعب المتقاربة، وشبكة وسطاء مكلفين بالنقل، والتحويل البريدي أحيانًا باستخدام حسابات تخص متعاطفين وسماسرة ينجزون المعاملات مقابل نسب تتراوح بين 15 و20% من المبالغ.
