اختتمت أمس الأحد في العاصمة الهندية نيودلهي أعمال القمة الثامنة عشرة لمجموعة «بريكس» لعام 2026، بعد يومين من الاجتماعات التي جمعت قادة دول المجموعة والدول الشريكة والمدعوة، وشهدت بحث ملفات الحوكمة العالمية والتجارة والتنمية والتكنولوجيا والاستدامة والصحة والأمن الدولي.
وشاركت المملكة العربية السعودية في القمة بصفتها دولة مدعوة، بوفد ترأسه الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية، نيابة عن ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
وعُقدت القمة تحت شعار «البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة»، في ظل تحديات سياسية واقتصادية متشابكة، ما دفع المناقشات نحو ملفات إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي في صناعة القرار الدولي.
إصلاح الحوكمة العالمية
تركزت أعمال اليوم الأول على إصلاح النظام الدولي متعدد الأطراف، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وزيادة تمثيل الاقتصادات الناشئة والدول النامية في المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب تطوير أطر أكثر فاعلية للتجارة والتمويل والتنمية.
وأكد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن مؤسسات الحوكمة العالمية بحاجة إلى إصلاحات تعكس الواقع الاقتصادي والسياسي الراهن، داعيًا إلى تعزيز حضور دول الجنوب العالمي في عمليات صنع القرار.
وفي ختام اليوم الأول، اعتمد قادة «بريكس» «إعلان نيودلهي»، الذي حدد التوجهات السياسية والاقتصادية للمجموعة، وأكد دعم إصلاح منظومة الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، وتعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والتنمية المستدامة، فضلًا عن رفض الإجراءات الاقتصادية والتجارية الأحادية المؤثرة في حركة التجارة الدولية.
وتناول الإعلان كذلك التطورات الدولية، مع التعبير عن القلق إزاء تصاعد التوترات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، والدعوة إلى أقصى درجات ضبط النفس وحماية المدنيين وتسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية والحوار والدبلوماسية.
من التوافقات إلى المبادرات
في اليوم الثاني، انتقلت المناقشات إلى جلسة موسعة بعنوان «القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة: صياغة المستقبل من أجل نمو عالمي شامل للجميع»، بمشاركة الدول الأعضاء والشريكة والمدعوة.
وركزت الجلسة على تحويل التوافقات السياسية إلى مبادرات عملية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والصحة وسلاسل الإمداد والتنمية.
وأعلن مودي اتفاق دول «بريكس» على إنشاء نظام متكامل للإنذار المبكر للوقاية من الأمراض المعدية والتصدي لها، إلى جانب تعزيز التعاون في إدارة الكوارث وسلاسل الإمداد اللوجستية، بما يدعم قدرة الدول على التعامل مع الأزمات العابرة للحدود.
وفي مجال الابتكار، اقترحت الهند إنشاء صندوق «بريكس» لابتكارات الشركات الناشئة، وتطوير شبكة لحاضنات الأعمال، فضلًا عن شبكة للزراعة الرقمية تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجغرافية المكانية والبنية التحتية الرقمية واحتياجات القطاع الزراعي.
«بريكس الكبرى» والتعاون التكنولوجي
وشهدت القمة أيضًا طرح مبادرات صينية لتوسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ضمن ما وصفه الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ«بريكس الكبرى»، من بينها إنشاء منطقة مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون بين المناطق الاقتصادية الخاصة.
كما أعلنت الصين عزمها استضافة منتدى «بريكس» لتجارة الخدمات خلال فترة رئاستها المقبلة للمجموعة.
وفي الجانب الاقتصادي، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أهمية تعزيز التكامل بين اقتصادات دول «بريكس»، مشيرًا إلى أن حجم التجارة البينية بينها بلغ نحو 1.2 تريليون دولار، بالتزامن مع طرح مبادرات لتعزيز سلاسل الإنتاج والاستثمار والتعاون المالي.
وتزايد خلال القمة التركيز على استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية وتطوير أدوات وأنظمة دفع أكثر كفاءة، دون طرح إنشاء عملة موحدة للمجموعة في الوقت الراهن، مع استمرار النقاش حول تعزيز الاستقلال المالي والتجاري للدول الأعضاء.
الاستدامة والطاقة والغذاء
وامتدت مخرجات القمة إلى قضايا الاستدامة والطاقة النظيفة والتكيف مع تغير المناخ، إلى جانب الأمن الغذائي والزراعة الرقمية والمدن المستدامة والبنية التحتية الذكية.
وأعلنت وزارة الشؤون الخارجية الهندية أن رئاسة الهند لـ«بريكس» أسفرت عن مخرجات عملية وتنموية تضمنت أطرًا وخطط عمل وشبكات ومنصات ومبادئ توجيهية في عدد من مجالات التعاون، في اتجاه يعكس سعي المجموعة إلى الانتقال من البيانات السياسية إلى برامج ومبادرات قابلة للتنفيذ.
واختتمت القمة بتسليم الهند الرئاسة الدورية للمجموعة إلى الصين، التي ستتولى رئاسة «بريكس» خلال عام 2027 وتستضيف القمة التاسعة عشرة، في وقت تدخل فيه المجموعة عقدها الثالث وسط توسع في عضويتها وأجندتها ودورها في قضايا الجنوب العالمي والحوكمة الدولية.
