أعدّ الجيش الأمريكي خيارات لشن هجمات محتملة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في خطوة قد تجدّد الصراع المستمر منذ أكثر من ثمانية أشهر.
وقال مصدر مطلع على الخطط، تحدث إلى موقع «ذا هيل» شريطة عدم الكشف عن هويته، إن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، المسؤولة عن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، أعدّت خططًا لتنفيذ ضربات إضافية ضد إيران، في حال حصولها على موافقة البيت الأبيض.
وأضاف مصدر آخر مطلع على التخطيط أن «سنتكوم» وضعت عددًا من خيارات الضربات، وعرضتها على وزير الدفاع بيت هيغسيث.
وقال المصدر، الذي تحدث أيضًا شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الرئيس دونالد ترامب سيُبقي جميع خياراته مفتوحة إلى أن يحين موعد اتخاذ القرار النهائي.
وقال غريغوري برو، الخبير في الشأن الإيراني لدى مجموعة «أوراسيا»، في مقابلة مع «ذا هيل» الجمعة: «يبدو لي أن عودة الولايات المتحدة إلى شن ضربات عسكرية على إيران بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي أمر مرجح إلى حد كبير».
من جانبه، قال هاريسون مان، المسؤول التنفيذي السابق في المركز الإقليمي للشرق الأوسط وأفريقيا التابع لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، إن أمام ترامب شكلين من التصعيد إذا قرر مهاجمة إيران: استئناف استهداف المواقع العسكرية والسياسية الإيرانية في عمق البلاد، أو ضرب البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة إذا شارك الجيش الإسرائيلي في العمليات.
وأوضح مان في مقابلة مع «ذا هيل» الجمعة: «أشدد على استهداف المواقع في العمق، لأن الولايات المتحدة لم تهاجم، منذ أبريل/نيسان، أي أهداف تقريبًا باستثناء مواقع على السواحل الإيرانية. ويبدو أنها لم تُسيّر طائرات فوق الأراضي الإيرانية، باستثناء ربما ضربة أو ضربتين».
وأضاف: «يرجح أن يكون ذلك بهدف الحد من مخاطر التصعيد، وكذلك لأن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للمخاطرة بإسقاط مزيد من طائراتها».
وتابع مان: «أما المسار الآخر، فليس بالضرورة بديلًا حصريًا للأول، وقد يصبح أكثر ترجيحًا إذا شاركت القوات الإسرائيلية، ويتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية أو منشآت الطاقة مباشرة، أو الجامعات ومراكز الشرطة وغيرها من المنشآت المدنية، كما فعل الإسرائيليون في بداية الصراع».
وعندما طلب موقع «ذا هيل» تعليقًا من وزارة الدفاع الأمريكية، قال مسؤول في البنتاغون إن «مهمة الوزارة تتمثل في إعداد الخيارات العسكرية وعرضها على الرئيس».
وأضاف المسؤول: «لا نتكهن بوقائع افتراضية أو عمليات مستقبلية».
ولم ترد القيادة المركزية الأمريكية على طلب «ذا هيل» للتعليق.
مفاوضات متعثرة وضغوط متصاعدة
تأتي الرغبة في إجازة عمليات عسكرية في وقت تسعى فيه الحكومة الأمريكية إلى انتزاع تنازلات كبيرة من الجمهورية الإسلامية، وسط تعثر المفاوضات الدبلوماسية. وكان ترامب قد حذّر من احتمال شن هجمات على طهران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، التي يسعى الجمهوريون خلالها إلى الاحتفاظ بالأغلبية في مجلسي الكونغرس.
وترى إدارة ترامب أن الاقتصاد الإيراني يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، في ظل تضافر العقوبات والحصار البحري الأمريكي في إضعاف الاقتصاد وارتفاع معدلات التضخم.
وقال برو: «الفكرة الأساسية هي استخدام القوة لتعزيز الضغوط المفروضة بالفعل على إيران، وإجبارها على الاستسلام والتوصل إلى اتفاق، بما يسمح للولايات المتحدة بالخروج من الحرب».
وأضاف أن «الإحباط» من غياب التقدم على المسار الدبلوماسي يمثل أحد أسباب بحث واشنطن خيار الضربات العسكرية.
وتابع: «الإيرانيون لا يتراجعون ولا يُظهرون أي مرونة، ويتمسكون بموقف تفاوضي ثابت منذ عدة أسابيع».
وكان هيغسيث قد زار، الاثنين، القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إسرائيل.
وقال هيغسيث للصحفيين، الثلاثاء، في ولاية ويسكونسن، مشيدًا بإسرائيل بوصفها «شريكًا جيدًا»: «عملنا كثيرًا مع الجيش الإسرائيلي، وهذا ليس أمرًا جديدًا، بل نتعاون معه منذ وقت طويل. ولديه قدرات كبيرة، ونقدّر مساهماته في ضمان ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا أبدًا».
ويرى بعض المحللين الإقليميين أن تجديد حملة الضربات الأمريكية الإسرائيلية قد لا يدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات، رغم أن الحملة السابقة أسهمت في استنزاف مخزون البنتاغون من صواريخ الاعتراض وبعض الأنظمة الهجومية المتطورة، ورفعت أسعار الوقود، وأحدثت اضطرابًا في الشرق الأوسط.
وقال مان، وهو رائد سابق في الجيش الأمريكي: «لا يوجد مستوى من الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية يمكنه إجبار إيران على تغيير مسارها في هذه المرحلة. فالقادة الإيرانيون لم يروا أنفسهم في مواجهة تهدد بقاء نظامهم فحسب، بل بقاءهم الشخصي أيضًا».
وأضاف: «أخذوا يدركون على نحو متزايد أن لديهم أوراق ضغط وأن الأفضلية باتت في جانبهم، ويريدون استثمار هذه الأفضلية لانتزاع تنازلات من ترامب».
وتابع: «أعتقد أننا رأينا بالفعل وبوضوح حدود ما يمكن أن تحققه الضربات الأمريكية والإسرائيلية. فلم تتمكن من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية أو القضاء على قيادتها السياسية، رغم اغتيال شخصيات رئيسية».
وخلال المرحلة النشطة من الحرب، دمّرت القوات الأمريكية والإسرائيلية منصات إطلاق إيرانية ومخازن للصواريخ، وألحقت أضرارًا بها. وفي الشهر الماضي، قال البنتاغون إن الجيش الأمريكي دمّر أكثر من 90% من الصواريخ الباليستية الإيرانية، إلى جانب منشآت القاعدة الصناعية البحرية والطائرات المسيّرة.
وكان ترامب قد تراجع في مناسبات سابقة عن الموافقة على شن ضربات عسكرية ضد إيران، بعد أن أعدّ البنتاغون حزمًا من الأهداف المقترحة.
تعزيز الوجود العسكري الأمريكي
ينتشر حاليًا أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي في الشرق الأوسط، إلى جانب نحو 20 سفينة حربية، تساعد بعضُها في فرض الحصار البحري في بحر العرب.
وتوجد مجموعتا ضاربة لحاملات طائرات أمريكية في المنطقة، فيما تتجه حاملة الطائرات الثالثة «يو إس إس ثيودور روزفلت»، من فئة «نيميتز»، إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، مع احتمال أن تحل محل حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن».
كما أرسل البنتاغون 4 آلاف من مشاة البحرية والبحارة على متن ثلاث سفن حربية إلى الشرق الأوسط، تقودها السفينة «يو إس إس ماكين آيلاند»، وهي سفينة هجومية برمائية من فئة «واسب»، وذلك ضمن مجموعة الجاهزية البرمائية.
وقد تمنح السفن الإضافية والقوات المنتشرة الرئيس الأمريكي خيارات أوسع لتنفيذ عمليات إنزال برمائي وعمليات عسكرية أخرى.
ولوّح ترامب أيضًا بإمكانية استهداف جبل بيكآكس (Pickaxe Mountain)، الواقع قرب منشأة نطنز المتضررة لتخصيب اليورانيوم، في جبال زاغروس. لكن خبراء حذّروا من أن عمق المنشأة قد يحول دون وصول أقوى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات إليها، إذ تقع على عمق يصل إلى ألفي قدم تحت طبقات من الغرانيت.
والأربعاء، أمرت وزارة الخارجية الأمريكية بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من السعودية، في ظل استمرار هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على المملكة.
تحذيرات استخباراتية من استهداف أمريكيين
وفي سياق متصل، خلصت الاستخبارات الأمريكية إلى أن المخططات الإيرانية لاستهداف مسؤولين أمريكيين في الشرق الأوسط وقتلهم شهدت «زيادة كبيرة»، وأن هذه الجهود وصلت إلى «مراحل متقدمة»، وفق ما أبلغ به مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون وزير الخارجية ماركو روبيو.
وقال كلايتون في مذكرة إلى روبيو، الذي يشغل أيضًا منصب مستشار ترامب للأمن القومي: «تلقينا معلومات استخباراتية عبر قنوات متعددة تفيد بأن إيران كثّفت بدرجة كبيرة جهودها لاستهداف أفراد أمريكيين».
وأضاف: «بلغت مخططات الإيرانيين لتنفيذ عمليات قاتلة ضد مواطنين أمريكيين مراحل متقدمة، سواء في الشرق الأوسط أو في بعض الدول الأخرى».
وقال برو إن القادة الإيرانيين أشاروا، علنًا وفي اتصالات خاصة، إلى أن الرد على أي هجمات أمريكية أو إسرائيلية سيكون «أكبر» و«أكثر عدوانية» و«مختلفًا» عن الرد الذي شهدته المنطقة في وقت سابق من العام الجاري.
وتهدد طهران باستهداف القواعد الأمريكية والسفن الحربية وخطوط أنابيب النفط والمصافي وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج، في وقت لا تزال فيه إيران تحتفظ بقدرات على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتأتي احتمالات تجدد الأعمال القتالية في المنطقة، التي سبق أن أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز»، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ مايو/أيار.
وتجاوز سعر خام برنت 117 دولارًا للبرميل الجمعة، فيما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط، المعيار الأمريكي، عند نحو 102 دولار.
وقال برو: «على وجه الخصوص، يصرّح مسؤولون إقليميون وأعضاء في القيادة الإيرانية بوضوح بأن الكابلات البحرية في الخليج العربي، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المرتبطة بالتكنولوجيا، كلها ستُعد أهدافًا للهجوم إذا تعرضت إيران لهجوم».
ضربات محتملة خلال عطلة نهاية الأسبوع
وأشار توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لترامب إلى سوريا والعراق، إلى احتمال تنفيذ عمل عسكري ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقال باراك في مقابلة نُشرت الجمعة مع رجل الأعمال اللبناني الأسترالي والمعلق السياسي ماريو نوفال: «هل يمكن أن تقع ضربة خلال عطلة نهاية الأسبوع؟ بالتأكيد. لقد كان الرئيس واضحًا؛ وأنا أنقل إليكم السياسة الأمريكية. الرئيس واضح تمامًا: إنه منفتح على التوصل إلى اتفاق، ومستعد له، ويمكن الوصول إليه. وقد جلسنا إلى طاولة المفاوضات لأشهر طويلة».
وعندما سُئل ترامب الجمعة عن تصريحات باراك، التفت إلى حاكم فلوريدا الجمهوري رون ديسانتيس، وقال: «ذلك كان سفيري... أعتقد أنه رجل يتمتع بنفوذ كبير»، ثم أضاف: «إذا كان الأمر كذلك، فلا علم لي به».
وقال ترامب خلال تجمع انتخابي الجمعة في فورت مايرز بولاية فلوريدا: «قد ننفذ عملية أخرى صغيرة باسم "الغضب الملحمي"، أو قد يوافقون على الاتفاق. إذا كانوا أذكياء، فسيقولون ببساطة: "لنبدأ العمل". وأشك في أنهم سيفعلون ذلك، لأنهم ربما ليسوا أذكياء».
وعندما طلب موقع «ذا هيل» من البيت الأبيض التعليق على خطط ضرب إيران، أحاله المكتب إلى التصريحات التي أدلى بها الرئيس للصحفيين الجمعة.
وكان ترامب قد قال الأربعاء إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع إيران، تاركًا الباب مفتوحًا أمام استئناف العمليات العسكرية.
وقال الرئيس للصحفيين: «سيحدث شيء ما، بطريقة أو بأخرى، في وقت قريب إلى حد ما. ويعتقد معظم الناس أن ذلك سيكون بعد الانتخابات، وسنرى ما سيحدث. لكنني أقول هذا: ما فعلناه مع إيران مذهل».





