بعد ضغوط وتهديدات، حقق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدفه بإعادة الانتخابات في بلدية إسطنبول، وسط توقعات بأن تؤدي هذه الخطوة إلى تأزيم الوضع السياسي في البلاد، التي تعاني أصلًا جملة مشكلات محلية وخارجية.
وقررت اللجنة العليا للانتخابات، اليوم الإثنين، إعادة الانتخابات البلدية التي أجريت في إسطنبول نهاية مارس الماضي، استجابة لطعن قدمه حزب «العدالة والتنمية » الحاكم، بعد فقدانه السيطرة على المدينة التي تعد معقلًا رئيسًا له.
وأظهر فرز الأصوات الذي أعيد أكثر من مرة، بناء على طلب من الحزب الحاكم، تفوق مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم أوغلو على مرشح السلطة بن علي يلدريم؛ ما عبَّر عن تغيير كبير في المزاج الشعبي بالمدينة، التي شهدت بداية الصعود السياسي لأردوغان.
وحددت اللجنة العليا يوم 23 من يونيو المقبل موعدًا لإعادة الانتخابات المحلية في المدينة، بعد تأكدها من وجود مخالفات شابت عملية التصويت، دون أن تقدم مزيدًا من التفاصيل.
وأثار إلحاح الحزب الحاكم، فضلًا عن تصريحات أردوغان المشككة في نتائج التصويت، كثيرًا من التساؤلات، لاسيما مع المماطلة في تسليم المرشح المنتخب مقاليد إدارة المدينة لأكثر من أسبوعين، إذ أكدت مصادر تركية أن الأمر يعود بالأساس إلى مخاوف حكومية من قيام أوغلو بفتح ملفات ستحرج الرئيس، داخليًا وخارجيًا.
وقالت المصادر ذاتها، إن الحزب الحاكم استظل بسيطرته على بلدية إسطنبول، طوال السنوات الماضية؛ للقيام بعمليات غسل أموال واسعة، و توجيه موارد الدولة التركية لدعم جماعات وقوى سياسية أجنبية، في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.
ومنذ الإعلان عن فوز أوغلو برئاسة البلدية الأهم، والتسريبات تتوالى عن قرب ظهور معلومات جديدة عن فساد أردوغان، خاصة ما يتصل بقضية شرائه ناقلة نفط منذ عام 2008.
وتصدر الحديث عن الناقلة «أغداش» وسائل الإعلام الدولية في صيف 2017، باعتبارها مفتاح ملف فساد عائلة أردوغان، خاصة ما يقع منها في جزيرة مالطا التي تعد ملاذًا ضريبيًا آمنًا لكثير من رجال الأعمال والسياسيين حول العالم، غير أن المعلومات وقتها افتقدت لأدلة دامغة.
وخلال الأيام الماضية، عادت وسائل الإعلام التركية المعارضة لأردوغان لنشر وثائق قالت إنها تثبت امتلاك الرئيس التركي للناقلة.
ونقلت صحف تركية عن مصادر مطلعة أن: «الرئيس التركي رجل ثري؛ (لكن) حجم ثروته ليس معلوما»، لافتًة إلى أن منتقدي أردوغان يقدرون ثروته بعدة مليارات من اليوروهات، الناتجة من الفساد المستشري والمحسوبية المتفشية في الدولة التركية».
واستنادا إلى 150 ألف وثيقة جرى تسريبها من شركة للخدمات القانونية والمالية وخدمات الشركات تتخذ من مالطا مقرًا لها، قالت صحف تركية «إن الفساد توغل على أعلى المستويات في تركيا»..
ونقلت صحيفة «أحوال» عن مصادر معلوماتية أنه: «من خلال شركات خارجية في جزيرتي مان ومالطا، يملك أردوغان سرا ناقلة نفط تقدر قيمتها بنحو 25 مليون دولار أمريكي تحمل اسم «أغداش». هذه الصفقة جرى إعدادها مع الصديق المقرب من أردوغان ورجل الأعمال التركي صدقي آيان وملياردير أذربيجاني تركي يدعى مبارز منسيموف صاحب مجموعة بالمالي للشحن التي تتخذ من إسطنبول مقرا لها».
وتظهر الوثائق أن صفقة أغداش تمت في عام 2008، وكلفت رجلي الأعمال ما يقرب من 30 مليون دولار، منها سبعة ملايين من آيان ونحو 23 مليونا من منسيموف، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى أردوغان، باستخدام شركة في جزيرة مان مملوكة في الأساس لنجله وشقيقه وصهره.
من جهة ثانية، ذكرت تقارير صحفية أن فوز المعارضة برئاسة بلدية إسطنبول دفع الرئيس التركي لتوثيق علاقاته بمجموعات مالية عملاقة تسيطر على معظم وسائل الإعلام المحلية، تحسبًا لتسريبات محتملة خاصة بوقائع الفساد التي تمت في ظل سيطرة حزبه على شؤون المدينة.
وفي عام 2013، تم التصدي مبكرًا لتسجيلات مسربة حول وقائع فساد تورط فيها وزراء وأسرهم، حيث قامت الحكومة بإغلاق التحقيق وإلقاء القبض على كل من شارك فيه من ممثلي الادعاء ورجال الشرطة.
لكن بعد الإقرار رسميًا بفوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول، عاد الحديث عن هذه القضية إلى العلن، الأمر الذي دفع الحكومة المركزية لاتخاذ خطوات استباقية؛ لحجب الوثائق، مستفيدة بقرار قضائي مفاجئ حظر على موظفي البلديات تحميل أي ملف من قاعدة البيانات الرسمية.
وأصدرت وزارة الداخلية قرارًا يمنع على البلديات الاحتفاظ بقواعد البيانات أو إنشاء قواعد بيانات لها، على أن يتم تخزين بجميع المعلومات في قاعدة مركزية، يتطلب الوصول إليها إذنًا رسميًا.
وقبل أيام، حضر أردوغان حفل زفاف أقيم بفندق تشيراغان بالاس الفاخر، وهو قصر فخم من القصور العثمانية السابقة يقع على شاطئ مضيق البوسفور في إسطنبول، بوجود 2000 ضيف، عاشوا ما أطلق عليه «حدث القرن».
وجمع الزواج بين اثنتين من أغنى العائلات في البلاد، هما عائلة ديميرورين وعائلة قاليونجو، الأمر الذي وصفه أحد المطلعين على بواطن الأمور بأنه «اندماج على نمط المافيا».
وقالت صحيفة «ديلي صباح» اليومية الموالية للحكومة إن «مجموعة قاليون مجموعة تركية عملاقة لها نشاط كبير في قطاع البناء. كما أن الشركة هي المالكة لمجموعة تركواز الإعلامية، المؤسسة الأم لديلي صباح والتي تضم أيضا صحيفة صباح وقناتي إيه خبر وإيه.تي.في التلفزيونيتين التركيتين الكبريين».
أما مجموعة «ديميرورين» فتنشط في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية والبناء والسياحة والعقارات. وقد أضافت المجموعة إلى محفظتها الأصول الإعلامية التابعة لمجموعة دوغان، والتي تشمل صحيفتي «حرييت» و«بوستا» ومحطتي «كانال دي» و«سي.إن.إن ترك» التليفزيونيتين، في العام 2018.
وسبق للمجموعة نفسها أن اشترت صحيفتي «ميلليت» و«وطن» التركيتين في شهر مايو من العام 2011. كما أنها تملك أيضا موقعا إلكترونيا مرخصا يقدم خيارات المراهنة.
ووفق صحيفة «أحوال»، فإن العائلتين « تسيطران معا على أكثر من 60 % من الإعلام التركي»، فإذا أضيفت إليهما مجموعة «سنجاق» التي يديرها رجل أعمال مقرب من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم وتسيطر على ثلاثة كيانات إعلامية مهمة، يمكن توقع كيف تم الضغط على اللجنة العليا للانتخابات لاتخاذ قرار إعادة التصويت في مدينة إسطنبول.
