Menu


د. علي السويد

متلازمة التصفيق!

الاثنين - 17 شعبان 1440 - 22 أبريل 2019 - 03:14 ص

لم يكن يعلم الكاتب المسرحي "بلاوتوس" قبل ألفي عام، أن سُنَّة "التصفيق" التي ابتدعها ستتخطّفها الأيادي من كل صوب وحدب، ذلك بعد أن كانت مهمة التصفيق هي تعبير عن إعجاب بعملٍ ما، ووسيلة إبداء الشكر لِمَن أنجز أمرًا مبهرًا.

بدأ جوهر التصفيق ينصهر بعد سنوات من ابتكارِه، لتتصادم الكفوف في كل لحظة يؤدّي شخص ما عمله فحسب، ويبدأ معها المنحى الخطير، المنحى الذي يترك عند صانع العمل انطباع امتنان الناس له وتفضُّله عليهم، بينما إنه لم يصنع سوى عمله الذي يتقاضى مقابله ما يتقاضى.

كُل ما سبق، هي أمور تحوم حول دائرة المقبول، حتى كُسرت تلك الدائرَة حينما أُحضِر "التصفيق" -صفًّا إلى صف- بجانب " الطبول"، لتعبّر الأكف في كل لحظة عن امتنانها وتقدير أصحابها لشخوصٍ كان مُنجزهم الوحيد هو الجلوس على الكراسي الواسعة، لتبدأ معها الظاهرة المُشمئزّة التي قد لا يرضاها أصحاب الكراسِ أنفسهم، ويتمنّون الخلاص مِن صانعيها!

لم تقف عمليّة انصهار "التصفيق" عند هذا الأمر فحسب، بل زاد تطّورها "عكسًا"، فأصبحت الأيادي تحمَرّ أكثر فأكثر حينما لا يَصنع المُحتَفى به شيئًا، حتى عندما لا ينبس ببنت شفة، المُهِم أن يكون صدى تضارب الكفّين مسموعًا في أقاصي الأرض، سعيًا لكسبٍ ومنفعة!

وقف هذا الانصهار على جرف الهاوية، ذلك حينما نزَفت الأيادي دمًا وهي تعبّر عن شكرها، شُكرها لا لِمَن صَنع الجود، بَل لِمن صنع نقيضه وأحسن في سوءِ صُنعِه، لتصرُخ تلك الأيادي مبيّنة أن مبادئ أصحابها ليست سوى "قراطيس" يسهل تمزيقها واستبدالها بأخرى عند الحاجة!

مت مُرتاحًا يا بلاوتوس، ولو أن الخوف كلّه أن تكون شدة ضرب الكفوف مسموعة حتى لدى الأموات!

الكلمات المفتاحية