Menu


الفيروسات وكيف تدير كوكبنا؟!

تدخل فى تركيب الشفرة الوراثية للبشر..

أنت نظام بيئي مزدهر لا ينام أبدًا، فالآن على سطح جسمك، في المسام، التجاعيد، طيات الجلد وحتى في داخل جسمك، تعيش تريليونات من المخلوقات، بعض هذه الكائنات يتطفل عل
الفيروسات وكيف تدير كوكبنا؟!
  • 10
  • 0
  • 0
فريق التحرير
صحيفة عاجل الإلكترونية
صحيفة عاجل الإلكترونية

أنت نظام بيئي مزدهر لا ينام أبدًا، فالآن على سطح جسمك، في المسام، التجاعيد، طيات الجلد وحتى في داخل جسمك، تعيش تريليونات من المخلوقات، بعض هذه الكائنات يتطفل عليك لمجرد السكن دون إيجار، وبعضهم يساعدك ويقدم خدمات ومنافع لهذا السكن، فيما قد يلحق البعض الآخر الضرر المتباين فى قوته لك ولجسدك.

وفى الحقيقة، فإن كل إنسان يسير وسط سحابة فريدة من نوعها في كل مكان، سحابة تنشر ضبابًا عضويًا من هذه الكائنات الدقيقة، تشبه إلى حد كبير الأرض ذلك الكوكب المشبع بحياة وفيرة ومتنوعة، فجسمك يشكل تحالفًا معقدًا ومتشابكًا من الخلايا البشرية، البكتيريا والفطريات، ولا تكتمل الصورة سوى بتفاعل هذا الجسد مع النظام البيئي وما به من فيروسات، وهذه الفيروسات لها وجود قوي في عالم الميكروبات المحيط بنا، بل أكثر من ذلك، فقد بات معروفًا الآن أن لها تأثيرًا كبيرًا حتى على المناخ العالمي.

ولهذا يجب أن نتعلم المزيد عن الفيروسات، فمعظم الناس ربما يتصورون أن بضعة فيروسات إنفلونزا موجودة على مقبض باب، أو أن الفيروسات موجودة فى الغرفة نتيجة نفث الهواء، وأن هذا هو كل شيء، ولكن الحقيقة هي أننا نسبح باستمرار في بحر من الفيروسات لا نهاية له، فهو حولنا في كل مكان وفى كل وقت، والفيروسات تفعل الكثير من الأشياء التي لا يعرفها معظم الناس، كما أشرنا، ومع ذلك لا يمكن الحياة بدونها، فبدون الفيروسات فإن العالم الطبيعي الذي نعرفه ونعتمد عليه اليوم، لن يكون موجودًا بالشكل والوظيفة الحاليين، وربما لن تكون هناك أي حياة على الإطلاق إن لم يكن للفيروسات وجود، فيما يقدر العلماء أن الفيروسات وجدت منذ نحو 4 بلايين سنة.

والفيروسات هي كائنات طبيعية بلا حراك، ولا حياة لها إلا من خلال تفاعلات المواد الكيميائية، وتستمر فى هذا الوضع حتى اختطاف السيطرة على أشكال الحياة، إن وجودها في كل مكان وفعاليتها وأعداده غير المفهومة، تجعلها بسهولة واحدة من أكثر القوى الطبيعية تأثيرًا على الأرض، وتجعلنا نعيش في ظلها الهائل كل لحظة من حياتنا.

ويكفى أن تعرف أن في عالم المحيطات على سبيل المثال، أن الفيروسات تقتل نحو نصف البكتيريا البحرية كل 24 ساعة، وبشكل عام تقتل نحو 20 بالمائة من الحياة البحرية الأكبر كل يوم، ومعدل العدوى الفيروسي في المحيط هو 1024 في الثانية، أى فى اليوم 10 مع 24 صفرًا بعدها، ليتم بذلك تعديل أكبر نظام بيئي في العالم وأكثره أهمية يوميًا من خلال الفيروسات.

وقد حدَّد العلماء أسماء ما يقرب من خمسة آلاف نوع مختلف من الفيروسات حتى الآن، ولكن هناك ملايين أخرى من الأنواع، فيما يعتقد العلماء أن الفيروسات هى أكثر أشكال الحياة وفرة على هذا الكوكب، وعلى سبيل المثال فقد يحتوي كيلوجرام واحد من قاع البحر على أكثر من مليون نوع مختلف من الفيروسات، ويمكنك أن تجد العديد من الفيروسات الفردية في لتر واحد من مياه البحر، وتتعدد الفيروسات لدرجة أنها إذا كانت بحجم العنكبوت المتوسط ​​الحجم، فإنها ستغطي العالم بأسره بطبقة سميكة تبلغ عدة أميال، بل إن هذا الرقم مضروب فى 10 ملايين مرة من الفيروسات يوجد في المحيط بين النجوم في كوننا المعروف.

والفيروسات صغيرة للغاية، والفيروس الفردي لا يزن شيئًا تقريبًا، ومع ذلك يمكن أن يكون وزنها المشترك مذهلًا، فعلى سبيل المثال، تتجاوز جميع فيروسات المحيطات وزن 75 مليون حوت أزرق، وإذا كنت ستضع جميع الفيروسات البحرية من طرف إلى طرف في خط مستقيم؛ بافتراض متوسط ​​طوله 100 نانومتر، فإنها ستصل إلى 10 ملايين سنة ضوئية، وتمتد إلى ما بعد أقرب 60 مجرة، وهذا لا يشمل حتى الفيروسات الأرضية والمحمولة على الأرض!

ويشترك البشر والفيروسات في مثل هذه العلاقة القديمة والمتشابكة، فالفيروسات الفردية ليست فقط على جلدك وداخل جسمك، بل أكثر من ذلك بكثير، فنحو 5 إلى 8 بالمائة من المواد الوراثية الموجودة في الجينوم البشري جاءت من الفيروسات، ويتضمن كودك الوراثي الشخصي دليلًا لا لبس فيه على هؤلاء الغزاة القدماء الذين بقوا فى مكوناتك، فكلنا نحتوي على بقايا كبيرة من الأساس الفيروسي!

وحسب العلماء، تشير الدلائل بوضوح وبقوة، إلى أن الفيروسات كانت مرافقاتنا الأصلية والمستمرة، عبر فترات زمنية طويلة، وهو الأمر الذى قد يزعج هؤلاء الذين تضايقوا من القرابة الجينية مع القرود، التي تشاركنا فى 98.7 بالمائة فى الحمض النووي، ومن ثم فلا يمكن للمرء أن يدعي معرفة الجنس البشري أو الحياة بشكل عام دون فهم جيد للفيروسات، غير أن الواقع المؤسف هو أن معظم الناس لا يفكرون كثيرًا في الفيروسات بصرف النظر عن الخوف من المرض، وحتى هذا الاهتمام المشترك غالبًا ما يكون مشوشًا وغير دقيق.

وفي عام 2016، نشرت المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم نتائج دراستهم الدولية حول المعرفة العلمية العامة، وكان من بين النتائج التي توصلت إليها الكشف، عن أن العديد من الناس يعتقدون أن الفيروسات والبكتيريا والجراثيم الأخرى هي نفس الشيء وأنها فى الأساس مجرد جراثيم، وعلى سبيل المثال فإن ما يقرب من نصف الأمريكيين البالغين لا يعرفون حتى إن المضادات الحيوية تعمل على بعض أنواع البكتيريا وليس على الفيروسات، ولا يعرف 54 بالمائة من الأوروبيين ذلك، في حين أن 72 بالمائة من اليابانيين و82 بالمائة من الروس لا يعرفون ذلك.

وقصة الفيروس طويلة ومعقدة، لدرجة أن هناك من يعتقدون أن الفيروسات قد تكون نشأت في مكان آخر غير الأرض، وبغض النظر عن ذلك لدينا أدلة كافية في ضوء ما ساهمت فيه الفيروسات حولنا وفي داخلنا، وكلما تعلم المرء أكثر تساءل أكثر، فإذا أردنا أن نفهم أنفسنا وكل جيراننا الأحياء بشكل أفضل، يجب أن نعرف الفيروسات.

الكلمات المفتاحية
مواضيع قد تعجبك