Menu
سلطان بن ربيع الربيع
سلطان بن ربيع الربيع

يا حبّنا للنكد!

الثلاثاء - 26 صفر 1442 - 13 أكتوبر 2020 - 02:43 م

هذا العنوان ليس «مبرمجًا لغويًا» ليجعلنا نفترض أننا نحب النكد، بل تذمر من الحال.
أليست أحاديث مجالسنا لها صبغة النقد والتذمر في الغالب، توقعاتنا للمستقبل لا تخلو من ظلامية، «ذواكرنا» مزحومة بمواقف مزعجة عجزنا عن محوها، أدبياتنا وأشعارنا تحتفي بالسوداوية أكثر من الابتهاج. أغاني الفراق والوجع والجراح لها لذّة وحنين!
نحن نحب النكد وإلا لماذا نهتم لنشرات الأخبار ونحن نعلم أن محتواها كوارث طبيعية وأزمات اقتصادية وحروب؟! لماذا نفتح مقطعًا يُفهم من تعليقه الخارجي أنه مشهد دهس أو انفجار أوتعذيب حيوان؟! لماذا نتابع مسلسلًا خليجيًا كاتبه يعتقد أن الدراما تعني تضخيم السواد؟!

يقول باولو كويلو: حين تكرر ارتكاب خطأ ما، فلن يصبح خطأ بعد ذلك، إنه قرار واختيار.

نحن نحب النكد ويتملكنا الفضول للنكد

يتجمهر الناس عند حوادث السيارات، ولمشاهدة شخصين يتعاركان، بل ويحتشدون في ساحات الإعدام ليروا قطع رؤوس المحكومين، ويتكلّفون في أحيان البحث عما يهيّج الحزن في دواخلهم، في يوتيوب كتبت:(أغاني حزينة) فخرجت هذه النتائج:1- «اتحداك ما تبكي موسيقى حزينة جدًا» 37 مليون مشاهدة. 2- «أغاني حزينة جدًا جدًا أقسم بالله لو سمعتها قلبك يتقطع» 47 مليون مشاهدة. 3- «أكثر شيلة حزينة بتسمعها» 69 مليون مشاهدة.

ولأُخفف اللوم علينا قليلًا فلهذه السلوكات تفسير علمي أسموه (الانحياز السلبي)، أثبت فيه العلماء أنَّ العقل البشري البالغ يميل بطبعه إلى السلبية، وقبل الدراسات والنظريات يخبرنا القرآن الكريم أنَّ الإنسان هلوع وجزوع !

عرض باحثون مجموعة صور فوتوغرافية على متطوعين فوجدوا أنهم يقضون وقتًا أطول في النظر للصور السلبية أكثر من الصور الإيجابية الجميلة!

إنَّ الحدث السلبي له زخم، وتأثيره على مداركنا أقوى، يقول باول روزين في نظريته: [إذا تساوت قوة الأحداث السلبية والإيجابية لا يكونان بنفس التأثير بل تكون السلبية أوضح. ليس هذا فحسب بل يستقبلها إدراكنا بأنها سلبية أكثر من حقيقتها].

أما تأثير الخبر السلبي علينا حين نتلقاه فيعادل خمسة أضعاف تأثير الخبر الإيجابي المساوي له في الدرجة، وصدق المثل النجدي (عِلم الشر ما فيه أبرك منه)!
نحن للسلبية أقرب؛ لأن منزلقاتها أسهل بكثير من عناء الصعود إلى الإيجابية، كما تبدو الأفكار والأحداث  السلبية مغرية لعقولنا، لأنها دهاليز ملتوية وأحجية طويلة تسلسلك عبر مراحلها. 

ولأنَّ الحب درجات فهناك من يحب النكد ومنهم من يهيم به ! وهؤلاء وصلوا للمرحلة المرضية (النكديون) الذين يستلذّون بالحزن والكآبة ولعب دور الضحية، وهم أقوى مصادر النكد تأثيرًا، وأظنك تعرف أساتذة العكننة هؤلاء، إنه صديقك الوقور الذي إن ضحك المجلس قال: (الله يكفيك شر ذا الضحك) ، أو جارك الذي يدخل عليك في ثالث أيام العزاء ليرجعك من جديد إلى لحظة الفاجعة: ( شلون توفى أبوكم الله يغفر له) أو تلك التي سمعت كلمة حب جديدة من زوجها فردّ هاجسها :غربية، أكيد ما حسّن أسلوبه إلا وراه مصيبة !
إن خطر انفتاحنا على النكد وأهله يتعدى مرحلة التعكير اللحظي للمزاج ليصل إلى عمق ذواتنا، لا تستغرب أن يأتيك صداع بعد يوم حافل بالنكد لأن ٩٠% من أسباب الصداع غير عضوية، دراسة من جامعة ويست فرجينيا تفيد أن تبادل التجارب غير السارة في وسائل التواصل ترفع خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب بنسبة20‎%‎، لياقتك النفسية تتناقص وأنت تفطِرُ على مشهد سقوط طائرة في الفيتنام، وتتغدى خبر نفوق ملايين الحيوانات في حرائق أستراليا، وعشاؤك مقطع تحذير لمادة مسرطنة على الواتس آب!
وحين يأتي السؤال: ما الحل مع النكد؟ فالعلاج الشرعي أولًا {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ}. وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ومن دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)..

ولا يغيب عن الأذهان أن من أهداف الشيطان الدنيوية التّحزين (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)
ثانيًا: ابتعد فورًا عن مصادر النكد ورفقة النكدين (ابعد عن الداب وشجرته)، ألست إذا اتصل عليك شخص غير مرغوب تجاهلت اتصاله؟ جيد، اتخذ هذا الإجراء لكل صورة أو مقطع يعكر صفوك، لكل نكدي يسلب بهجتك ويؤثر على سلمك الداخلي، إذا كانت أحداث تويتر ترهق نفسيتك لا تفتحه، إذا انضممت لمجموعة واتس آب مشحونة بالتهويل والإشاعات، غادرها بسلام، [النكد يبعد عنك آلاف الكيلو مترات لماذا تهرول إليه]، نقّي سمعك وبصرك من كل خبر مزعج فالنفس هشّة أمامه فلا تعرّضها للتمزّق، باب النكد ريحه هوجاء فسدّه واسترح، لا تبحث عن النكد فهو يعرف عنوانك، واجعل بينك وبين النكدي مسافة كافية، فطاقته قوية ولها مجال مغناطيسي.

ثالثًا: إذا تلطخت نفسيتك بوحل النكد فابدأ بتصنّع الفأل والإيجابية والتركيز على كل جيد ومفرح، ودرّب عقلك ألا يلجأ لخانات السلبية إلا للمفيد، كدراسة العقبات وإدارة الأزمات وبناء الخطط .

أخيرًا: بعض الأحداث السلبية تسكن الذاكرة، لكن تأثيرها علينا يختلف باختلاف وعينا وطرائق تعاملنا معها، المتنبي كان يحمل همّ المشكلات حتى إذا كثرت عليه؛ تغيّرت سياسته معها فوجد الراحة:
فعشتُ ولا أبالي بالرزايا* لأني ما انتفعت بأن أبالي

والشافعي ينصحك بمثل هذا:
فادرء الهمّ ما استطعت عن  النفس فحملانك الهموم جنون

ومنطق إيليا أبو ماضي يوافق الدراسة السويدية التي تؤكد أن «القمع» للذكريات المؤلمة هو الطريق الأمثل لنسيانها؛ فيقول :
وإذا ما أظلّ رأسك همٌ* قصِّرِ البحث فيه كي لا يطولَ

أما هواجس القلق من المستقبل التي تعتلج في صدرك؛ فامسح عليها بماء حسن ظنّك بالله، وتيقّن أنَّ غالب ما يقلقنا لا يحدث، وإن حدث فوقوع الشر أهون من توقعه؛ يقول ريتشارد تمبلر: إن لم يكن هناك ما يستحق القلق، فإنَّ كل ما تفعله هو أنك تضيف المزيد من التجاعيد إلى حاجبيك.


 

الكلمات المفتاحية