Menu


د. ناهد باشطح

القوة الناعمة في جولة وزارة المالية

الاثنين - 24 ربيع الآخر 1440 - 31 ديسمبر 2018 - 03:00 م

استطاعت وزارة المالية خلال السنوات الأخيرة أن تقدم للمواطن السعودي مفهومًا مميزًا عن توجهاتها وخدماتها، يساهم في تشكيل الصورة الذهنية المواكبة لتحقيق رؤية السعودية 2030، يتضح ذلك من انفتاحها تجاه وسائل الإعلام المختلفة، وإنتهاجها لمبدأ الشفافية في نشر البيانات في موقعها الإلكتروني، ونشرها لتقاريرها الربع سنوية، وفي هذا العام تنظيمها الملتقى المميز واستخدامها للقوة الناعمة في إيصال رسالتها الإعلامية، الأمر الذي لم تدركه بعض القطاعات الحكومية الخدمية حتى الآن. 

المواطن البسيط ربما لا يهمه تفاصيل التقاريــر السنوية والربــع سنوية الماليــة، أو اتبّاع وزارة المالية في إعدادهــا للبيانات والتقارير المالية دليـل إحصـاءات ماليـة الحكومة، لكن المواطن يريد أن يعرف تأثير هذه الميزانية على حياته، وقبل ذلك يريد أن يقترب من وزارة تعني له أرقامًا كبيرة، لكنه لا يعرف كيفية استقبالها والتعامل معه.

الشفافية والبيانات

من هنا لوحظ أن وزارة المالية انتهجت نهجًا إيجابيًّا في السنوات الأخيرة بالتعريف بخدماتها، وتوجهت هذا العام بنشاط اتصالي مميز قبل إعلان الميزانية، اتسم هذا النشاط بالشفافية التي من أهم مبادئ رؤية 2030؛ حيث جاء في الرؤية عبر موقعها الإلكتروني "ننتهج الشفافية، وسنعمل كذلك على توسيع نطاق الخدمات الإلكترونية وتحسين معايير الحوكمة، بما سيحدّ من التأخير في تنفيذ الأعمال، وتحقيق هدفنا في أن نقود العالم في مجال التعاملات الإلكترونية".

 الشفافية التي ترتبط بالإعلان عن البيانات هي جزء مهم متعلق بحرية المعلومات وبتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقد اعتمد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في عام 2016 إطار حوكمة تحقيق "رؤية المملكة العربية السعودية 2030". وفق نموذج تطبيقي هو الأفضل في تنفيذ الاستراتيجيات، كما أنه يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة من خلال إطلاق لوحات إلكترونية لمتابعة مؤشرات قياس الأداء بما يضمن التنفيذ الأمثل لـ"رؤية المملكة العربية السعودية2030".

نظمت الوزارة ملتقى جمعت فيه الوزراء- (وزير المالية، وزير الاقتصاد والتخطيط، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي، وزير الصحة، وزير التعليم، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وزير العمل والتنمية الاجتماعية، وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، وزارة التجارة والاستثمار) - في لقاء مع الجمهور لعرض مبادرات كل وزارة، والتحدث بشفافية عما تحقق وما الذي ما زال من ضمن التحديات التي يسعون إلى التغلب عليها، وبُثّ الملتقى على الهواء مباشرة، وكان من اللافت تقديم الوزارة للقطاع الخاص جنبًا إلى جنب مع القطاع العام في إشارة لأهمية التشارك معه.

كما أنتجت الوزارة وأذاعت في الملتقى فيديو للأطفال يتناقشون فيه عن الميزانية، وهي بذلك توصل الرسالة الإعلامية لها من خلال الطرق الناعمة التي أثبتت نجاح استخدامها في إيصال الرسائل الإعلامية برفق.

القوة الناعمة

هي إحدى الأدوات السياسية والدبلوماسية المهمة خاصة في البعد الدولي، واستخدام القيم للجاذبية والإقناع لاسيما ووطننا يتميز بموقع استراتيجي ديني وسياسي واقتصادي مؤثر في العالم.

القوة الناعمة مصطلح سياسي يقال إنه جديد، فقد اعتبرته الدول المتقدمة ذراعها القوي في إدارة سياستها الخارجية؛ لخدمة مصالحها الاستراتيجية، مع أن "جوزيف س ناي" ذكر في كتابه الشهير أنه "وعلى الرغم من تحمس الكثير من الباحثين إلى أن سياسة «القوة الناعمة» مستحدثة، إلا أن البحث في تاريخ الحضارات القديمة، يؤكد توجه عدد من إمبراطوريات الشرق إلى استخدامها؛ كالحضارة الفرعونية".

وقدر برز اهتمام وزارة المالية في تشكيل الصورة في الجانب الاقتصادي والثقافي، من خلال تنظيمها لبرنامج تعريفي للمرة الأولى جاء مُستبقًا الإعلان عن الميزانية العامة للدولة تحت مسمى "جولة عامة بالمملكة"، والذي أُعدّ لمجموعة من الإعلاميين والاقتصاديين من داخل المملكة وخارجها لزيارة المشاريع الاقتصادية والمواقع التراثية في جدة، ثم المنطقة الشرقية والرياض.

ربما تساءل البعض عن فكرة هذه الجولة وأهدافها، خاصة وأنها خطوة جديدة، لكنها جاءت تطبيقًا لمفهوم القوة الناعمة في التعريف باقتصادنا وثقافتنا ونقلهما إلى الآخرين بطريقة لطيفة.

من حسن الحظ أني كنت ضمن هذه المجموعة التي جمعت إعلاميين من الشرق والغرب، واستهدفت هذه الجولة إتاحة الفرصة لضيوف الوزارة من مختلف بقاع العالم من أمريكا وبريطانيا وكندا وروسيا واليابان، زيارة المعالم والمنجزات الحضارية في المملكة بما في ذلك إطلاعهم على مشروعات تنموية وحضارية، والاستماع إلى التعريف بها على أرض الواقع.

ومن بين أبرز المعالم الحضارية والاقتصادية، التي شملتها الجولة (جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ميناء الملك عبد الله، قطار الحرمين، وبيت الطيبات في جدة القديمة، شركة أرامكو السعودية بالمنطقة الشرقية، مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، حقل شيبة بالربع الخالي، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية، مترو الرياض، وبيت المبارك التراثي في الدرعية).

وعقب الانتهاء من الجولة، اجتمع وزير المالية بالمشاركين في الجولة؛ ليستمع إلى رأيهم فيما شاهدوه من مشاريع اقتصادية وأماكن تراثية تعزز هوية الإنسان السعودي، وابتهجنا كسعوديين بالانطباع الإيجابي الذي عبر عنه الضيوف الأجانب عن بلادنا وثقافتنا، وكذلك تمتع معالي الوزير بالقدرة على الرد بوضوح على جميع أسئلة الضيوف الاقتصادية والسياسية، ولعل من أعمق إجابات الوزير ردّه على الصحفية الروسية التي سألته إن كانت قضية الإعلامي جمال خاشقجي -يرحمه الله- قد أثرت سلبًا على المشاريع الاقتصادية، فكانت ضمن إجابته جملة لافتة حين سأل الصحفية: لقد شاهدتِ المشاريع العظيمة على أرض الواقع هل لمست أي تعطل بها!؟ فقالت لا.

أختم مقالتي بالقول بأننا ننجح في تقديم صورة حقيقية عن حضارتنا وتاريخنا بأفضل السبل، حينما نستثمر الأدوات الحديثة في الإعلام عن منجزاتنا للعالم أجمع، فشكرًا لوزارة المالية.

الكلمات المفتاحية