يستعيد حصن الإمارة القديم في جبل حبس بمحافظة الداير بمنطقة جازان، مع اليوم الوطني السعودي، دلالته بوصفه شاهدًا على مسيرة بناء الدولة وتطورها الإداري. فمن غرفه الصغيرة كانت تدار شؤون الأهالي، وتنقل المراسلات سيرًا على الأقدام عبر الجبال، قبل أن تتطور تلك البداية إلى محافظة حديثة ترتبط قراها بالطرق والخدمات وتشارك بمواردها الزراعية والسياحية في التنمية الوطنية.
ويقع الحصن الحجري في موقع "العشّة"، ويعد أول مبنى ثابت اتُّخذ مقرًا لإمارة بني مالك. وثق الحصن مرحلة انتقال الإدارة بين قرى الجبال، وصولًا إلى مقرها الدائم في الداير وما تبع ذلك من توسع إداري وتنموي.
مكونات الحصن ووظائفه
يتكون المبنى من حصن حجري بمساحة تقارب 120 مترًا مربعًا، ويضم ثلاثة طوابق يحتوي كل منها على ثلاث غرف ترتبط بدرج داخلي. توزعت وظائف الغرف بين مجلس للحكم واستقبال المراجعين، وسكن للأمير ومرافقيه، ومكان لحجز المخالفين، إضافة إلى مطبخ. كما استُخدم السطح والفناء لاستيعاب أعداد إضافية، خصوصًا أثناء اجتماعات الأهالي.
وشُيّد الحصن من الأحجار المحلية بما يتلاءم مع البيئة الجبلية. وتكشف جدرانه السميكة وفتحاته الصغيرة عن طبيعة المباني الإدارية في ذلك الوقت، حيث جمع المقر بين إدارة الشؤون العامة والسكن والحراسة في مساحة محدودة.
دور الحصن في تواصل الإدارة والمجتمع
اختير جبل حبس لموقعه المتوسط بين جبال بني مالك، ما أتاح إدارة شؤون الأهالي والقرى المحيطة رغم صعوبة التضاريس ووسائل الاتصال. وأسهم مشايخ القبائل في الربط بين الإمارة والمجتمع ونقل احتياجات السكان. وكان سعاة البريد يربطون مقر الإمارة بإمارة المنطقة في جازان، حاملين المراسلات والتعليمات سيرًا على الأقدام، في ظل غياب أجهزة البرق ووسائل النقل الحديثة.
مرحلة التطور الإداري بمحافظة الداير
ظل المبنى قائمًا رغم توقف استخدامه بعد انتقال السكان إلى المساكن الحديثة، وأُجريت عليه بعض أعمال الترميم للحفاظ على طابعه الأصلي ليبقى شاهدًا على مرحلة مبكرة من الإدارة السعودية في بني مالك.
انتقلت الإمارة بعد ذلك إلى قرية الرقبة، ثم استقرت عام 1353هـ في قرية القهبة بجبل خاشر، قبل اختيار موقع الداير على ضفاف وادي جوري عام 1389هـ مقرًا دائمًا للإمارة وموقعًا لسوق أسبوعي رئيس. ومن هنا بدأت ملامح نشأة مدينة الداير واتساعها مع مراحل التنمية.
وتواصل التطور الإداري حتى أصبحت الداير محافظة مع صدور نظام المناطق عام 1412هـ، وحملت حينها اسم "محافظة الداير بني مالك"، قبل اعتماد اسمها الحالي "محافظة الداير"، لتكتمل مسيرة بدأت من مقر حجري محدود الإمكانات وصولًا إلى منظومة إدارية وتنموية تخدم مراكز المحافظة وقراها.






