شهد قطاع الأرصاد الجوية في المملكة العربية السعودية تحولًا جذريًا خلال العقود الماضية، منتقلاً من الاعتماد على القياسات اليدوية والتقارير الورقية إلى منظومة رقمية متكاملة توظف الذكاء الاصطناعي، النماذج العددية، والأقمار الصناعية. ويأتي هذا التحول ضمن جهود تعزيز دقة التنبؤات الجوية وحماية الأرواح والممتلكات، تماشيًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
بدأت مسيرة الأرصاد الجوية في المملكة في خمسينيات القرن الماضي عبر محطات رصد بسيطة في المطارات الرئيسية وأجهزة قياس تقليدية، وتطورت عبر عدة مراحل مؤسسية شملت إنشاء مديريات وإدارات متخصصة، وصولًا إلى تأسيس مصلحة الأرصاد الجوية ثم مصلحة الأرصاد وحماية البيئة في عام 1981، لتلبية الاحتياجات المتزايدة في قطاع الطيران المدني والملاحة الجوية.
نقلة رقمية وتطوير مؤسسي
مع توسع الحركة الجوية وتزايد المتطلبات التنموية، أنشئت مصلحة الأرصاد وحماية البيئة كأول كيان حكومي متخصص في المملكة. وتولت إنشاء محطات الرصد، جمع البيانات المناخية، وإعداد النشرات الجوية، مع تعزيز جوانب الرصد البيئي. لاحقًا، تحولت إلى الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة في 2001، وشهدت المملكة خلالها توسعًا في شبكة محطات الرصد وتحديث أجهزة القياس، إضافة إلى إدخال أنظمة الإنذار المبكر والتعاون مع المنظمات الدولية، ما أسهم في رفع كفاءة التنبؤات الجوية.
في عام 2016، مثل تحويل الرئاسة إلى الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة نقطة تحول مهمة، حيث توسعت خدمات الرصد الرقمي، أُطلقت الخدمات الإلكترونية، ورُبطت البيانات المناخية بشبكات رقمية متقدمة، مع تطوير قواعد البيانات والنماذج العددية، وأتمتة عمليات التحليل وإصدار النشرات الجوية.
تأسيس المركز الوطني للأرصاد
بصدور قرار مجلس الوزراء في 2019 بإنشاء المركز الوطني للأرصاد، انتقلت المملكة إلى مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي والتقني. يركز المركز على بناء منظومة رقمية متقدمة، تضم شبكة واسعة من محطات الرصد الآلية، رادارات الطقس، محطات الرصد البحرية والجوية، والاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية العالمية والنماذج العددية عالية الدقة، لتقديم توقعات أكثر دقة.
ويُعد المركز الوطني للأرصاد نموذجًا للتحول الوطني، إذ قاد رحلة الانتقال من الرصد اليدوي إلى الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة الأداء وتحليل البيانات الضخمة، ما رفع دقة التوقعات الجوية وسرعة إصدار الإنذارات، ودعم القطاعات الحيوية بالمعلومات المناخية.
الاستمطار الصناعي والابتكار التقني
يمثل برنامج الاستمطار الصناعي أحد أبرز التحولات التقنية في قطاع الأرصاد بالمملكة، حيث يجمع بين علوم الأرصاد الجوية والطيران والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لزيادة فرص هطول الأمطار وتعزيز الموارد المائية. يعتمد البرنامج على تحليل دقيق للحالات الجوية باستخدام بيانات الأقمار الصناعية والرادارات والنماذج العددية، وتنفيذ طلعات جوية لطائرات مجهزة تطلق مواد صديقة للبيئة لتحفيز تكاثف بخار الماء.
وفي السياق ذاته، أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجوية في الوقت الحقيقي، وتحديد أفضل المواقع والأوقات لعمليات البذر، ما رفع كفاءة البرنامج وعظّم الاستفادة منه.
دعم التنمية والاستدامة
تواصل الأرصاد الجوية في المملكة تطوير نماذج وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما يعزز استقلالية المملكة في إنتاج التوقعات الجوية عالية الدقة. وتلعب البيانات المناخية دورًا رئيسًا في دعم قطاعات الطيران، الزراعة، الطاقة، إدارة المياه، السياحة، والدفاع المدني، وتخطيط الموارد ومواجهة آثار التغير المناخي.
يُذكر أن المملكة أصبحت لاعبًا إقليميًا ودوليًا فاعلًا في مجال الأرصاد، من خلال مشاركتها في المبادرات والبرامج العالمية، وتطوير بنيتها التحتية وفق أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز مكانتها الرائدة في علوم الأرصاد والمناخ، ويدعم التنمية المستدامة وحماية الأرواح والممتلكات.






