في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتزايد فيه الحاجة إلى الجاهزية والاستجابة الدقيقة، لم تعد التقنية مجرد أدوات مساندة، بل أصبحت جزءًا من بناء القدرات الأمنية والصحية، ورفع كفاءة الاستجابة، وتحسين إدارة الموارد، ودعم اتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، تستعرض وزارة الحرس الوطني في مشاركتها في "ليب 2026" مجموعة من الحلول والتقنيات التي توظف البيانات والذكاء الاصطناعي والنماذج الرقمية المتقدمة لتعزيز الجاهزية الأمنية، وتطوير الرعاية الصحية، ورفع كفاءة العمليات والتخطيط المؤسسي.
وتبدأ القصة من منظومة تعمل في بيئة تتطلب قدرة مستمرة على الرصد والفهم والاستجابة، من التهديدات والمواقف الأمنية إلى المرضى والمراجعين والعمليات الطبية، ومن إدارة الموارد إلى التخطيط واتخاذ القرار، حيث تتدفق البيانات بصورة متواصلة، وتتحول قيمتها الحقيقية من مجرد معلومات إلى قدرة تساعد على فهم الواقع، واستباق الاحتياجات، ودعم القرار، وتحسين النتائج.
وفي الجانب الأمني، تقدم الوزارة منظومة المراقبة الأمنية والاستجابة للتهديدات، التي تستهدف تحقيق إدراك شامل للموقف التشغيلي، بما يرفع من دقة الاستجابة وملاءمتها لمستوى التهديد. وتترجم المنظومة مفهومًا متقدمًا في التعامل مع المواقف الأمنية، لا يعتمد فقط على رصد الحدث، وإنما على تكوين صورة متكاملة تساعد على فهم الموقف وتقدير مستوى التهديد وتحديد الاستجابة المناسبة، بما يعزز الجاهزية ويرفع كفاءة التعامل مع المتغيرات.
وفي جانب إدارة الموارد والتخطيط المؤسسي، تأتي أداة حساب المخزون بوصفها حلًا تقنيًا يستهدف رفع مستوى التخطيط وتحسين استغلال الموارد. وتعكس الأداة جانبًا من توظيف التقنية في دعم الكفاءة المؤسسية، من خلال تحويل البيانات المرتبطة بالموارد إلى مؤشرات تساعد على التخطيط واتخاذ القرار بصورة أكثر دقة.
أما في الجانب الصحي، فتتسع مساحة توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي لتلامس مراحل مختلفة من رحلة المريض والمنظومة الطبية، بدءًا من التشخيص المبكر، مرورًا بالتخطيط الاستباقي، ووصولًا إلى الطوارئ والعيادات والعمليات.
ويبرز في هذا السياق الكشف المبكر عن الجلوكوما بالذكاء الاصطناعي، الذي يوظف القدرات التحليلية للذكاء الاصطناعي لدعم اكتشاف المرض في مراحله المبكرة، بما يسهم في تقليل مخاطر تأخر التشخيص وفقدان البصر. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مفهوم تقني إلى أداة ذات أثر مباشر، تساعد المختصين على اكتشاف مؤشرات المرض في وقت مبكر وتعزيز فرص التدخل المناسب.
ولا يتوقف توظيف الذكاء الاصطناعي عند التشخيص، بل يمتد إلى التخطيط الاستباقي وإدارة العمليات من خلال محرك التنبؤ والتخطيط الاستباقي في منصة MIMS، الذي يقدم نموذجًا للاستفادة من البيانات والقدرات التنبؤية في تحسين معالجة الطلبات وتوزيعها؛ إذ يستهدف خفض معدل الرفض والإلغاء المتوقع من نطاق يتراوح بين 26.7% و33.8% إلى 3% و5%، إلى جانب اختصار المدة المتوقعة لمعالجة الطلبات وتوزيعها من أسابيع إلى ثوانٍ معدودة.
ويمثل ذلك تحولًا في طريقة إدارة الطلبات، من نموذج يعتمد على المعالجة بعد وصول الطلب إلى نموذج أكثر استباقية يستفيد من البيانات والتنبؤ لتسريع الإجراءات وتحسين التوزيع ورفع كفاءة التخطيط.
وفي أقسام الطوارئ، حيث تمثل كل دقيقة قيمة، يأتي التوأم الرقمي لأقسام الطوارئ ليقدم نموذجًا متقدمًا لمحاكاة بيئة الطوارئ وفهم تدفق المرضى والموارد، بما يساعد على تحسين العمليات ودعم القرارات التشغيلية. ويستهدف الحل خفض مدة البقاء في قسم الطوارئ من أكثر من 7 ساعات في بعض المناطق إلى أقل من 4 ساعات، لتتحول التقنية إلى وسيلة لتقليل الانتظار وتحسين تدفق المرضى ورفع كفاءة التعامل مع أحد أكثر مرافق الرعاية الصحية حساسية وحركة.
وتنتقل هذه الفكرة إلى نموذج العيادات الخارجية الجديدة، الذي يستهدف خدمة أكثر من 90% من المراجعين دون انتظار، مع حجز فوري وزمن انتظار يبلغ صفر دقيقة. ويعكس النموذج توجهًا نحو إعادة تصميم رحلة المراجع اعتمادًا على التقنية، بحيث تصبح الخدمة أكثر انسيابية، وتختصر الإجراءات وأوقات الانتظار، وتمنح المستفيد تجربة أكثر سرعة وكفاءة.
وفي العمليات الجراحية، تأتي iSURGE لإدارة قوائم انتظار العمليات لتقدم نموذجًا يركز على العدالة السريرية، وتقليل الانتظار، ورفع شفافية القرار، من خلال إدارة قوائم العمليات بصورة أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالأولوية السريرية، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر وضوحًا واتساقًا، ويعزز كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة.
وتكشف هذه الحلول، رغم اختلاف مجالات استخدامها، عن توجه واحد يجمعها: تحويل البيانات إلى قدرة، والذكاء الاصطناعي إلى قرار، والتقنية إلى أثر. ففي المجال الأمني، تسهم التقنية في تعزيز الإدراك بالموقف ورفع دقة الاستجابة، وفي إدارة الموارد تدعم التخطيط وتحسين الاستغلال، وفي المجال الصحي تدعم التشخيص المبكر والتخطيط الاستباقي وتحسين تدفق المرضى وإدارة العمليات.
ولا تعمل هذه التقنيات بمعزل عن الإنسان، بل تعزز قدراته؛ فرجل الأمن يحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا وأدوات تدعم سرعة استجابته، والممارس الصحي يحتاج إلى تقنيات تعزز قدرته على اتخاذ القرار، والمريض يحتاج إلى تشخيص أبكر وخدمة أسرع وانتظار أقل، فيما تحتاج المؤسسة إلى منظومات تجعل عملياتها أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للمتغيرات.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لما تستعرضه وزارة الحرس الوطني في "ليب 2026": التقنية لا تقدم بوصفها غاية، وإنما باعتبارها قدرة تصنع أثرًا يظهر في جاهزية أمنية أعلى، واستجابة أكثر دقة، وتشخيص يمكن أن يأتي في وقت أبكر، وانتظار يمكن اختصاره، وموارد يمكن استثمارها بصورة أفضل، وقرارات يمكن اتخاذها بسرعة ووضوح أكبر.
ومن الأمن إلى الصحة، ومن الرصد إلى التشخيص، ومن التخطيط إلى القرار، تقدم وزارة الحرس الوطني نموذجًا لتقنيات لا تكتفي بمواكبة عالم متغير، بل تسعى إلى بناء قدرات أكثر جاهزية للتعامل معه.
ففي عالم تتغير فيه التحديات بسرعة، لا تكمن قيمة التقنية في حداثتها، بل في قدرتها على أن تجعل الاستجابة أذكى، والقرار أدق، والموارد أكثر كفاءة، والإنسان أكثر أمانًا وصحة.






