لسنوات طويلة، اقتصر وضع مساحيق التجميل وحمل حقائب الماكياج على المرأة، إلا أن بعض الرجال بدأ يزاحم النساء في الحصول على حصة من «كعكة» الزينة والتجميل.
فلم يعد غريبًا (وإن بدا مستفزًا) أن نلاحظ بعض المحسوبين على «الجنس الخشن» يخرج من منزله، وقد اختفت بشرته تحت الطلاء «الناعم» أو البودرة، أو كريمات الصباح والمساء، هذا غير الحُمرة «الروج الخفيف» على الشفاه، بل يتمادى بعضهم في تصوير يومياته لمتابعيه، ناصحًا لهم بعدد من المساحيق، الأمر الذي يقابله الكثيرون باستياء يصل إلى حد التقزز.
وفي محاولة للوقوف على أسباب هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع؛ وسبل معالجتها، استطلعت «عاجل»، آراء عدد من الإخصائيين النفسيين والاجتماعيين.
في البداية، أوضحت الدكتورة صباح الزهار الإخصائية النفسية بالمستشفى السعودي- الألماني بعسير، «أن الطبيعي أن تتجمل المرأة وتبحث عن الجمال، فهي دائمًا تفضِّل أن تكون الأجمل والأكثر أنوثة، وأن أحدًا لا ينكر على الرجال بحثهم عن الجمال؛ فهناك من يرى جمال الرجل في أن يكون أنيقًا، وهندامه نظيفًا وكاملًا».
واستدركت «الزهار» قائلة: «ولكن هناك فئة قليلة تبحث عن الجمال، باستخدام كريمات التفتيح وكريمات الليل والنهار؛ للمحافظة على بشرتها، بل إن البعض يقوم بوضع مساحيق مثل: البودرة والحُمرة على الشفاه، وهذا أمر غريب تمارسه قلة من الرجال، تزيل به الفوارق بين الفتيات والشباب».
وأضافت «الزهار»: «لا بد من علاج لهذا الأمر قبل أن يُصبح ظاهرة، إذ إن الأشخاص الذين يقومون بهذا الفعل لديهم مشاكل واضطرابات طفولية، كما أن لديهم احتياجًا عاطفيًا وغيابًا للدعم الأسري والمجتمعي، إضافة إلى التنشئة الخاطئة، وهذا يولِّد انحرافًا في السلوك تصاحبه أعراض أخرى، بينها اضطرابات الهوية الجنسية».
وأكدت «الزهار»، أن التزيين بالمساحيق للرجال في الحدود المعروفة لا غبار عليه من الناحية النفسية، أما إذا زاد على ذلك وأصبح مثل ماكياج المرأة، فهو يستدعي التدخل وحماية الفرد والمجتمع.
أما الباحث الأكاديمي المختص في القضايا الاجتماعية والأسرية، الدكتور خالد الدوس، فقال: «لا شك أن مظاهر التغيّر الاجتماعي الواسعة، التي يمر بها المجتمع السعودي، وتحولاته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية السريعة، التي يشهدها في واقعه المعاصر؛ نتيجة التحديث والمستجدات التي طرأت على سطحه الاجتماعي، أدت بالتالي إلى ظهور أنماط جديدة من السلوك الاجتماعي، والعادات والتقاليد، والقيم المستوردة».
وتابع الدوس: «ألقت هذه الأنماط الجديدة بظلالها على كثير من الاتجاهات السلوكية، والقيمية والفكرية والتربوية، فبرز على السطح الاجتماعي بعض الأمراض الاجتماعية والأسقام الفكرية والأفكار الوافدة؛ أبرزها استخدام بعض الرجال أدوات الماكياج والمساحيق والمراهم النسائية، وتطور الأمر في بعض الأحيان إلى ظهور القصات الغريبة، والملابس الضيقة، ولبس السلاسل، وغيرها من الأفكار الوافدة المضادة لقيم المجتمع ومعاييره الأصيلة، من قِبَل شباب (ناعم)!، كلها تؤكد أننا أمام أزمة ثقافية أخلاقية مجتمعية خطيرة».
واستطرد الدوس: «مع الأسف، نلاحظ تواجد بعض الشباب في محلات التجميل وبيع المستحضرات النسائية أكثر من الشابات، وبالتالي أصبح الماكياج الرجولي في واقعنا المعاصر، تهديدًا للرجولة والشهامة والفضيلة».
وعزا الدوس ظاهرة استخدام بعض الشباب مساحيق التجميل وأدوات الماكياج، إلى أسباب عدة منها: ضعف الوازع الديني كون الرجل يتشبَّه بالنساء!، بجانب وجود خلل وظيفي ناتج عن عملية التنشئة الاجتماعية والنفسية، والتربوية والعقلية والعاطفية، تدفع بعض الشباب إلى هذا الاتجاه المضاد لقيم المجتمع الأصيلة دون إحساس ووعي.
وتابع الدوس، أن الأصدقاء يلعبون دورًا مؤثرًا في تعزيز هذا السلوك الوافد ونشره، وذلك حسب (نظرية التقليد والمحاكاة الاجتماعية)، وكما يقول المثل الشعبي «الصاحب ساحب»؛ فبعض الأقران- غير الأسوياء- في المدرسة أو الجامعة أو الحي لديه تأثير قوي ومباشر على سلوك وثقافة الفرد.
ومن الأسباب التي ساقها الدوس كذلك: وسائل الإعلام الفضائي والإعلام الرقمي وتحدياته الثقافية، التي تنشر قيمًا شاذة تؤثر على القيم والسلوك والعاطفة، وبالتالي ترويج مثل هذه الأفكار المستوردة، في محاولة لطمس الهوية الذكورية ومسخ قيم الرجولة بالأصباغ والمساحيق النسائية، والكريمات المبيّضة وغيرها!.
وطالب الدوس بالتصدي لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة على القيم، والسلوك والخيال والعاطفة (حسب تعبيره)، وذلك عبر تفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ فالأسرة لها دور تربوي وحراك قيمي في حماية وتحصين عقول الأبناء ضد هذه الثقافة المضادة، كما أن (للمؤسسات التعليمية) دورًا توعويًا في تعزيز قيم الرجولة وشيم الفضيلة، من خلال حراكها التربوي.
ولم يغفل الدوس دور المؤسسات الدينية ومنابرها الإعلامية، في توعية المجتمع وتنويره ضد الكثير من القضايا السلوكية والأمنية، التي تهدد قيم المجتمع ومعاييره الأصيلة؛ وبالتالي الحد من انتشار فيروساتها في مجتمعنا السعودي المحافظ.
