بين عالمٍ تزدحم فيه الفصول بأصوات الطلاب، وعالمٍ آخر تسكنه الشخصيات والحكايات، اختارت الكاتبة شيرين شحاتة أن تمد جسورًا لا تنقطع بين الاثنين، فالمعلمة التي اعتادت أن تنصت إلى الحكايات الصغيرة خلف الوجوه، وجدت في الأدب مساحة أوسع لالتقاط ما قد لا تراه العين العابرة؛ ذكرى تؤرق الحاضر، وجرحًا يبحث عن خلاص، وشخصيةً تنمو من فكرة حتى تصبح أكثر حضورًا من صاحبها.
بدأت شيرين رحلتها مع أدب الطفل، وكتبت بالإنجليزية مجموعتي You and Me وThe Guiding Light، قبل أن تتسع تجربتها لتلامس القصة القصيرة والرواية، وتحصد قصة «حديث الصمت» جائزة في مسابقة دار أطلس عام 2018، ومنذ ذلك الحين، بدا واضحًا أن الكتابة بالنسبة إليها ليست مجرد هواية، بل محاولة دائمة لفهم الإنسان ومواجهة المناطق المعتمة في داخله.
في أعمالها، تقترب شيرين من القضايا الاجتماعية والنفسية دون أن تخشى الألم، وترى في الأدب قدرة حقيقية على مداواة جراح قد تعجز الحياة عن لمسها؛ لذلك تأتي شخصياتها محملة بأسئلتها وندوبها، وتأتي نهاياتها أحيانًا قاسية بقدر ما تفرضه واقعية الحكاية، حتى لو خالفت أمنيات القراء.
في حوارها مع «عاجل»، تتحدث شيرين شحاتة عن انتقالها من الفصل إلى الرواية، وعن علاقتها بالطفل والكتابة، والجوائز، والشخصيات التي تسكن أعمالها، وطقوسها مع القلم، وعن شغفٍ تتمنى صاحبته أن يظل حيًا، «كما لو كان لقاءً للنظرة الأولى»، كما تكشف رؤيتها لكتابات الشباب والجرأة في الأدب، وإلى نص الحوار:
- درستِ اللغة الإنجليزية وتعملين في مجال التدريس، فكيف انتقلتِ من عالم الفصل والطلاب إلى عالم الرواية والخيال؟
«الانتقال من عالم الفصل والطلاب إلى عالم الرواية ليس بشاقٍ على المحب؛ فالرابط بينهما قوي، عامر بالمصادفات والمغامرات، وعالم الفصل غني بالقصص التي تفوق خيال أي مؤلف، فهو يضع أمامك الحكاية التي تترصدها عين المؤلف ببصيرته الحادة مع قلم يلهث خلفها».
- بدأتِ تجربتك الأدبية من خلال أدب الطفل، وكتبتِ بالإنجليزية مجموعتي You and Me وThe Guiding Light لماذا كانت البداية مع الطفل تحديدًا؟
«بدايتي كانت مع الطفل لأنني حين أبني من أجله عملي يطول عمره، وتتعدد الأفواه لنقله، فعقل الطفل يقظ، لا ينسى من أساء إليه أو وضع بعقله زهرة تتفتح كلما قلب صفحة بحياته».
- فازت قصتك القصيرة «حديث الصمت» في مسابقة لدار أطلس عام 2018، ما الذي يعنيه لكِ هذا الفوز في مرحلة مبكرة من رحلتك الأدبية؟
«الفوز بالجوائز هو رسالة طمأنينة للكاتب وإن لم تكن بالضرورة مفتاحاً لمحبة القارئ، والذي قد لا تتلاقى ذائقته مع شهية ناقد أُغرم بالعمل».
- هل تفضلين كتابة الرواية أم القصة القصيرة؟ وأيهما تشعرين أنه يكشف الكاتب بصورة أكبر؟
«الفكرة هي ما تدق على عقل الكاتب ليدخلها بجنس أدبي ملائم لحاجتها إما ضغطاً داخل نسج مكثف كالقصة القصيرة أو اتساعاً داخل عملية إبحار بمجداف الرواية».
- معظم أعمالك تقترب من قضايا اجتماعية ونفسية، لماذا تنجذبين إلى المناطق الإنسانية المؤلمة والمعقدة؟
«السبب في مناقشة أعمالي لقضايا إنسانية هو بحثي الدائم عن حل لشيء ما، لذكرى تعيق الحاضر، لبكاء لا يثمر حياة، لموت يؤرق الخطوة».
- هل تعتبرين الأدب قادرًا فعلًا على علاج المجتمع؟ أم أنه فقط يفتح الجرح لكي نراه؟
«الأدب قادر وبشدة على علاج الكثير من الجراح، بل لو أني طبيب لكان من نصيب المرضى مع كل ورقة علاجية مؤلف أدبي، يحفز بكلماته عظام الروح لتنهض من فراش خاصم الشمس وعانق العتمة طويلًا».
- أي شخصية من شخصيات رواياتك شعرتِ أنها تشبهك أكثر مما توقعتِ؟
«كل شخصية في عمل كتبته أخذت فكرة من عقلي طواعية، تشابهت معها ولو بطور الحبو، رفعت من غموضها عبر ألباسها زيًا روائيًا».
- ما طقوسك الخاصة في الكتابة؟ وهل تحتاجين إلى عزلة تامة، أم تستطيعين الكتابة وسط ضجيج الحياة؟
«لا توجد طقوس خاصة بالكتابة، فقط عندما تأتي الرغبة يُقضى الأمر، لأبدأ حكاية جديدة أقصها على نفسي قبل الكل».
- ما رأيك في كتابات الشباب الآن؟ وهل تزعجك الكتابات الجريئة؟
«الكثير من كتابات الشباب مبشرة بالوعي، ننتقل معها إلى عالمهم الشديد الوضوح، فأكثرهم لا يميل للتورية بل إلى التصريح عن احتياجاتهم دون ساتر، والجنوح الشديد نحو الكتابات الجريئة أجده بلا مبرر غير الالتقاء بقارئ يبحث عنه دون غيره».
- هل هناك عمل كتبته شيرين وتتمنى لو أنها لم تكتبه، أو شخصية تتمنى لو أنها منحتها نهاية مختلفة؟
«لم أتمنَّ منح أي شخصية من أعمالي الروائية نهاية مختلفة، وإن رغب عدد من القراء بكتابة نهاية مختلفة لشخصية "حياة" برواية "الفتاة الوحيدة يمكن أن تحب" والتي تلقت ضربة الموت بيد العنصرية، غير أني لم أستطع رفعها عنها وإلا اختفت واقعية العمل وذاب بخيالات الأمنيات».
- ما الشيء الذي تتمنين ألا يتغير أبدًا في علاقتك بالكتابة؟
«أتمنى ألا ينتهي شغفي بالكتابة، وألا تُنهي غضباتي اللقاء بها، أتمنى دوام الود دون خصام يقترب منا، بل نظل ننبهر عند كل موعد كما لو كان لقاءً للنظرة الأولى».


