كشفت دراسة حديثة أن هوس نتف الشعر قد لا يكون مرتبطًا أساسًا بالتوتر أو القلق، كما يُعتقد عادة، مشيرة إلى أن قوة الرغبة في نتف الشعر كانت العامل الأكثر ارتباطًا بحدوث السلوك، بينما برز الملل كعامل مهم في زيادة احتمالات تكراره.
وأجرى باحثون في مستشفى جامعة هايدلبرغ متابعة لـ61 بالغًا مصابًا بهوس نتف الشعر على مدى 10 أيام، بهدف فهم ما يحدث قبل نوبات النتف وأثناءها، بدل الاعتماد على تذكر المشاركين لمشاعرهم وسلوكهم بعد مرور ساعات.
واعتمدت الدراسة المنشورة في دورية Comprehensive Psychiatry على أسلوب التقييم اللحظي، إذ تلقى المشاركون سبعة تنبيهات يوميًا بين الساعة الثامنة صباحًا والعاشرة مساءً، وطُلب منهم في كل مرة تسجيل حالتهم العاطفية، وقوة رغبتهم في نتف الشعر، وما إذا كانوا قد مارسوا السلوك منذ التقييم السابق. كما أتيح لهم تسجيل نوبات النتف فور وقوعها.
وخلال فترة المتابعة، جمع الباحثون 2557 تقييمًا لحظيًا و702 نوبة نتف شعر للتحليل، وأظهرت النتائج أن المشاركين كانوا أكثر عرضة لنتف شعرهم عندما تكون الرغبة لديهم أقوى. كما أن ارتفاع شدة الرغبة في أحد التقييمات كان مؤشرًا على احتمال حدوث النتف في التقييم التالي.
ولاحظ الباحثون كذلك أن حدوث نوبة نتف سابقة يزيد احتمالات وقوع نوبة أخرى، ما يشير إلى أن السلوك يمكن أن يستمر ويتكرر خلال اليوم.
المشاعر السلبية ليست المحرك الوحيد
ارتبطت المشاعر السلبية، مثل القلق والغضب والحزن والشعور بالذنب والتوتر، بزيادة الرغبة في نتف الشعر، كما ارتبط الاجترار والتعب والملل بارتفاع هذه الرغبة، في حين صاحبت المشاعر الإيجابية رغبات أقل.
لكن المشاعر لم تكن جميعها متساوية في قدرتها على توقع السلوك. فقد كان الملل قادرًا على التنبؤ بحدوث نوبات نتف لاحقة وبالنتف خلال التقييم نفسه، بينما ارتبط التعب بزيادة الرغبة في النتف دون أن يتنبأ مباشرة بحدوثه.
وتدفع هذه النتائج إلى إعادة النظر في التفسير الذي يربط هوس نتف الشعر أساسًا بتنظيم المشاعر. ووفق هذا التفسير، قد يلجأ المصاب إلى نتف شعره للتعامل مع مشاعر غير مريحة مثل القلق والتوتر والإحباط، ثم يشعر بالراحة بعد ذلك، لكن الدراسات السابقة قدمت أدلة متباينة حول هذا التفسير، فضلًا عن إمكانية حدوث النتف عندما يكون الشخص مشتتًا أو غير واعٍ تمامًا لما يفعله.
وقال الباحثون في دراستهم: "تركز معظم الدراسات الحالية بشكل أساسي على السلوك نفسه، متجاهلة الدافع والعوامل الكامنة التي قد تؤثر فيه".
الملل والتعب في صدارة العوامل المؤثرة
تشير نتائج الدراسة إلى أن انخفاض مستوى التحفيز أو الطاقة قد يكون جزءًا مهمًا من تفسير بعض نوبات نتف الشعر. وقال الباحثون: "يمكن أن تساهم حالات انخفاض الطاقة في زيادة قابلية التعرض للرغبات".
ويستند هذا الطرح إلى نظرية تفترض أن السلوكيات المتكررة يمكن أن تساعد في تنظيم مستويات التحفيز الداخلي، ما قد يجعل نتف الشعر أكثر احتمالًا في حالات الملل أو انخفاض الإثارة.
وأضاف الباحثون: "الدور التنبؤي الثابت للملل والتعب يشير، على وجه الخصوص، إلى أن النماذج التي تركز حصرياً على الخلل العاطفي ربما تكون غير كافية".
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن هوس نتف الشعر قد لا يظهر بالطريقة نفسها لدى جميع المصابين، ما يطرح احتمال وجود أنواع فرعية من الاضطراب تختلف فيها العوامل التي تقود إلى الرغبة والسلوك.
ويُعد هوس نتف الشعر من السلوكيات المتكررة التي تركز على الجسم، ويمكن أن يؤدي إلى تساقط الشعر واضطرابات نفسية أو اجتماعية كبيرة، كما يُلاحظ بالتزامن مع حالات نفسية أخرى مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.
ولا تعود الإشارات إلى هذا السلوك إلى العصر الحديث؛ إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أن أقدم ذكر مكتوب له ورد في كتاب «الأوبئة الثالث» لأبقراط عام 410 قبل الميلاد. وبعد ذلك بنحو 60 عامًا، كتب أرسطو عن الرذائل في كتاب «الأخلاق النيقوماخية»، وذكر منها «عادة نتف الشعر أو قضم الأظافر».
وتشير النتائج في مجملها إلى أن فهم هوس نتف الشعر قد يتطلب النظر إلى ما يحدث بين ظهور الرغبة ووقوع السلوك، وليس التركيز فقط على المشاعر السلبية. ووفق الدراسة، قد تلعب عوامل مثل الملل والتحفيز والتجارب الحسية والمؤثرات البيئية والوعي بالرغبة دورًا في هذه المرحلة.






