تنتشر في ميادين وشوارع وواجهات جدة البحرية أعمال فنية ومجسمات جمالية صنعت، على مدى عقود، مشهدًا بصريًا مميزًا للمدينة، حتى تحولت شوارعها وميادينها إلى مساحات مفتوحة للفن، وأصبحت بعض هذه الأعمال جزءًا من ذاكرة المكان، يستعيدها السكان والزوار في صورهم وحكاياتهم.
ولا تحتاج جدة إلى قاعات عرض مغلقة لتقدم الفن لزوارها؛ فالمجسمات المنتشرة في فضائها الحضري تؤدي دورًا يتجاوز التجميل، إذ أصبحت علامات بصرية تساعد على التعرف إلى المواقع، وتمنح الشوارع والميادين شخصية خاصة، وتربط الحياة اليومية للمدينة بالفن المعاصر.
وتتميز جدة بتجربة مبكرة في توظيف الفن داخل الفضاء العام، حيث لم تكن المجسمات مجرد عناصر لتزيين الميادين، بل تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من هوية المدينة البصرية، مستفيدة من تنوع موضوعاتها وأشكالها ومواقعها.
ومن أبرز الأعمال المرتبطة بذاكرة جدة مجسم «السيف» في شارع الأمير محمد بن عبدالعزيز، الذي صممه الفنان البلجيكي هوبرت منيبو عام 1982م. ويبلغ ارتفاع المجسم 15 مترًا، وصُنع من النحاس المدعم داخليًا بالفولاذ، فيما يصل وزنه إلى نحو 3.5 أطنان، ليبقى بعد أكثر من أربعة عقود شاهدًا على حضور الفن العالمي في الفضاء الحضري لجدة.
وعلى امتداد الكورنيش، تأخذ الأعمال الفنية طابعًا مختلفًا، إذ يصبح البحر، أحد أبرز عناصر هوية جدة، خلفية طبيعية لمجموعة من المجسمات التي تتفاعل مع الضوء والفضاء والحركة. وأسهمت المشاريع المرتبطة بتطوير المشهد البصري في تعزيز حضور الفن داخل الأماكن العامة، وجعل الأعمال الفنية جزءًا من التجربة اليومية للمدينة.
ولم يكن هذا الحضور وليد السنوات الأخيرة؛ فقد وثقت وكالة الأنباء السعودية «واس» مئات المجسمات التي توزعت في جدة، بينها أعمال ارتبطت بأسماء فنانين عالميين، وأخرى استلهمت موضوعاتها من الحياة والبحر والفضاء والرموز الوطنية، لتتحول بمرور الوقت إلى مكونات أساسية في المشهد البصري للمدينة.
وتكشف قصة بعض هذه الأعمال أن المجسم الفني يستطيع تجاوز وظيفته الجمالية ليحمل رسالة أو فكرة. ومن أبرز الأمثلة مجسم «سرعة جنونية»، الذي صممه الفنان الإسباني خوليو لافونتي في ثمانينيات القرن الماضي، واستخدم فيه لغة فنية رمزية للتحذير من مخاطر السرعة والقيادة المتهورة.
وظل مجسم «سرعة جنونية» لمدة 38 عامًا إحدى العلامات البصرية المعروفة في جدة، قبل أن يغادر موقعه في الكورنيش الشمالي لإفساح المجال أمام مشروع حلبة كورنيش جدة، لتبقى صورته جزءًا من ذاكرة المكان.
ومع المشهد الحضري الحديث لجدة، لم يعد تحسين الصورة البصرية للمدينة مرتبطًا بالمجسمات وحدها، بل امتد ليشمل الجداريات والفنون البصرية وتصميم الفراغات العامة، ضمن توجه يدمج الفن بالعمارة والتخطيط الحضري، ويتيح للسكان والزوار الوصول إلى الأعمال الفنية في الأماكن التي يستخدمونها يوميًا.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في مدينة ذات امتداد تاريخي وثقافي مثل جدة؛ فالفن الموجود في الشارع لا ينفصل عن المكان، بل يتجاور مع العمارة التاريخية والأسواق والمباني الحديثة والكورنيش، ليشكل مزيجًا بصريًا يعكس تحولات المدينة من ميناء تاريخي إلى مركز حضري وسياحي وثقافي نابض بالحياة.
ومع التطور المتسارع الذي تشهده جدة، تبدو المجسمات القديمة أشبه بصفحات مفتوحة من تاريخ المدينة؛ بعضها لا يزال حاضرًا في موقعه، فيما تغير موقع بعضها الآخر أو اختفى نتيجة التطوير الحضري، لكن صورته بقيت حاضرة في ذاكرة السكان.
وتؤكد هذه التجربة أن قيمة العمل الفني في المدينة لا تقاس بحجمه أو عمره فقط، وإنما بقدرته على صناعة علاقة بين الإنسان والمكان، وتحويل التفاصيل اليومية في الشوارع والميادين إلى عناصر مرتبطة بالذاكرة والهوية.
وتضيف أعمال تطوير المشهد البصري طبقات جديدة إلى هذه التجربة، من خلال توظيف الفنون في الطرق والمماشي والميادين والمواقع العامة، بما يعزز جودة الحياة، ويجعل الفن أكثر قربًا من المجتمع، ويحسن المشهد البصري، ويستهدف الارتقاء بالطابع الحضاري للمدينة وتعزيز تكامل الفن والعمارة والمجال العام.






